عوامل نشوء الدولة القومية

نيسان 22nd, 2008 كتبها فادي بشناتي نشر في , مساهمة

 

 

 

 

عوامل نشوء الدولة القومية ومعوقاتها

طاهـر غـدار

 

 

 

 

 

 

 

الحلقة الأولى /

التمهيد: بدايات التأسيس.. بدايات التأهيل

 

               أول آذار 2008


         بعد عودة سعادة إلى الوطن في تموز 1930، تنقل في بعض أرجائه للتعرف على أوضاع شعبه عن قرب، فلم يجد أية مؤسسة يمكن الإعتماد عليها لنهوض بلاده من كبوتها. إذ كانت فريسة التجزئة بفعل مؤامرة سايكس – بيكو، والوعد البريطاني باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. إضافة إلى الإنقسامات والأمراض الإجتماعية والطائفية والسياسية. فأسس القضية القومية الإجتماعية، وأنشأ الحزب – الدولة، المعبّر عن يقظة الأمة ووعيها شخصيتها القومية. وصاغ لهذه الدولة دستوراً يعبر عن وجودها بسلطة قومية إجتماعية واحدة.

 

         ولتأكيد توجهه هذا، أفرد سعادة في كتابه العلمي نشوء الأمم فصلاً كاملاً لموضوع الدولة تناول فيه: نشوئها وتطورها ووظائفها واشكالها وظهور سلطاتها. وانتهى إلى الدولة القومية الديمقراطية التي تناولها في كثير من مقالاته ورسائله وخطبه ومحاضراته. وبامعاننا النظر في كل هذه الكتابات، يتضح أن نظرة سعادة للدولة تختلف عن كل النظريات التي كانت سائدة في زمانه وبالأخص عن كل من الماركسية والليبرالية. فالدولة عنده هي مظهر سياسي بامتياز، وهي منبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه ( نشوء الأمم ) . ويقول بتاريخ 17/3/1942 أنه آخذ في التخطيط لموضوع فلسفي في الدولة وانشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي إتخذته بعد الثورة الفرنسية.

 

         وتمهيداً لهذا العمل الكبير، باشر سعادة ببناء المؤسسات الصالحة للنهوض القومي: فكان دستور الدولة المرتقبة بكافة سلطاتها: التنفيذية، التشريعية والقضائية، هو المرتكز الأساس لبناء النظام الجديد، والمراسيم الدستورية السبعة المرتكزة عليه والتي يمكن تعديلها حين تدعو الحاجة إلى ذلك – أي عند الإنتقال من مرحلة الحزب إلى مرحلة الدولة – فقد كانت فكرة سعادة بالأساس بعيد عودته إلى وطنه، تحرير بلاده من شتى أنواع الإحتلال، ومن ثم صهرها في وحدة قومية اجتماعية متينة لإطلاق نهضتها وإعادة تأدية رسالتها تجاه الإنسانية.

 

         هذا ما نلمحه في دستوره الذي يتضمن كافة قوانين الدولة، ويعبّر عن وجودها ومصالحها ويوضح كيفية العمل لرفع مستوى حياتها، كما يحتوي على مبادئ وأحكام تنتظم بموجبها حياة الدولة العامة وتخضع لها المؤسسات أو الهيئات المركزية التي تشكل المظهر السياسي الحقوقي للدولة.

 

         والدولة التي يصبو إليها سعادة، واضحة الملامح من روح دستوره، وبناؤها يتطلب رجالاً مقتدرين، أصحاب كفاءة عالية، رجالاً مؤهلين للأعمال الكبيرة، مستعدين لمواجهة أقدارهم بعزة وكرامة. كما واجه سعادة قدره بكل جرأة وشجاعة، وقدم دمه قرباناً: كل ما فينا هو للأمة…

 

تأهيل المثقفين

 

         كان سعادة يعلم علم اليقين، أن حياته في خطر، وأنه عرضة باستمرار للاغتيال أو القتل أو… لذلك حاول جهده بناء النفوس المقبلة على الحزب، وركّز نشاطه على المثـقفين منهم، ليصرف وقته على تعليمهم وتدريبهم على تحمل الصعوبات وصقلهم بالعلوم والمعارف، فكان يسهر شخصياً، على حساب صحته، على توجيه القوميين النبهاء لإدراكه خطورة العمل الذي أقدم عليه.

 

         .. النهضة السورية القومية التي يقودها زعيم وقف نفسه على تنظيم شعبه وتدريبه على الصلاحيات والمسؤوليات التي بها تقوم الأعمال الجديرة بإنالة الشعب استقلاله…

مقالة المتأمرون يعودون إلى التآمر

الزوبعة – العدد 14 تاريخ 15/12/1941

 

         كان دائم التفتيش عن أصحاب المواهب الثقافية والفكرية، يستعين بها في إدارات الحزب العليا، ليضاعف من ثقافتها وخبراتها، وليعتمد عليها لاحقاً في المسؤوليات الجسام التي تواجه الأمة والوطن. لذلك استبقى نعمة ثابت، عام 1938 في الوطن نظراً لخبراته الواسعة في إدارة الحزب، وكان عازماً – قبلاً – على اصطحابه معه  في رحلته إلى أوروبا والمهاجر السورية. وقد نقل الرفقاء الأوائل عنه، أنه كان يدقق كثيراً في اختيار المسؤولين: من أصحاب الخبرات والمواقف الصلبة والارادة المصممة في الظروف الصعبة، إضافة إلى تمتعهم بالكفاءات والإدراك العالي.

 

         إن نظرة سريعة إلى المعاونين الأول، لا سيما أول مجلس عمد وما تبعه، تؤكد على حقيقة هذا المنحى. ولاحقاً قرّب منه بعض المتنورين ثقافياً مثل هشام شرابي الذي طلب منه البقاء إلى جانبه للتخصص في دراسة الفلسفة المدرحية.. إن نظرتك الواضحة إلى ما وصلت إليه واقتناعك باكتفائك من الدروس الفلسفية وبحاجتك إلى العودة إلى الوطن – إلى مدرستنا الفلسفية الإبداعية، لمعالجة أسسها العقدية وإكمال بناء نفسك في تعاليمها وتثقيف الأفكار بها – إن هذه النظرة تتفق كل الإتفاق مع حديثي الأخير إليك وإلى الرفيق فؤاد نجار في وجوب البناء النفسي الفلسفي في تعاليمنا ومذهبنا الأصيل… أرحب كثيراً برأيك في تقسيم العمل بين اختصاصيين وهو ما كان من جملة قواعد التنظيم الحزبي التي وضعت تشاريعها

         إن عودتك في أواخر هذه السنة تأتي مناسبة لاحتياجات النهضة العظيمة التي تقوم بها. ومع أني كنت أود أن تكمل درس الدكترة من أجل قيمة المركز العلمي والرتبة بالنظر لمفهوم البيئة ونظر المؤسسات التهذيبية، فإني أفضل اكتفاءك من التخصص في العموميات بما وصلت إليه لتنصرف إلى التخصص في فلسفتنا وقيمنا والعمل في ثقافتنا. فمجموعنا القومي الإجتماعي في أشد الحاجة إلى المتخصصين في عقيدته الذين ينصرفون إلى توطيد أسس نهضته وتقوية ثقته بنفسه وبمصيره. وإن وجودك بقربي سيعينني على تصريف أمور كثيرة تزدحم وتتراكم حولي وليسوا كثراً الذين أستطيع تكليفهم النظر في بعضها.

من رسالته إلى هشام شرابي 23/8/1948

 

         كما اهتم بغسان تويني بعد سفره إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته الجامعية. وهذا واضح من الرسائل العديدة والطويلة التي كتبها له خلال فترة زمنية وجيزة… كل ذلك لأنه وجد لديه مؤهلات فكرية، وفي هذا يقول له في رسالته إليه بتاريخ 9/7/1946: .. عملاً بقاعدة التدقيق الشديد في المسائل العقائدية والفكرية مع الرفقاء المؤهلين لتناول شؤون الفكر العليا.. ولأني أحب أن أنّشط فيك هذه الناحية الضرورية للعمل السياسي العالي. وفي رسالة أخرى له بتاريخ 4/8/1946 يقول: وقد رمت سياستي دائماً إلى تقوية الأشخاص المؤهلين وجعل المضطلعين منهم بالأعباء يشعرون أنهم يتمتعون لقاء مسؤولياتهم الكبيرة بصلاحيات واسعة على نسبة كبر المسؤولية… بناء النفوس المؤهلة في العقيدة والنظام. أريد أن أقول أن غرض ملاحظاتي هو غرض تعليمي إصلاحي عملاً بالقاعدة المذكورة، وإني أزيد على ما تقدم أنه لما كان الأمر متعلقاً بمن هو مثلك، ومثل الرفيق فايز صايغ من تلامذة العقيدة القومية الإجتماعية وحملة أفكارها وممثلي روحيتها، فلن أترك التثقيف لألجأ إلى السياسة. بهذه الطريقة بنيت شخصيات أعضاء المجلس الأعلى وإدارة الحزب العليا…

 

         نخلص إلى أن سعادة فيما سبق وأوردناه، هو بمثابة معهد دراسات عليا قائم بذاته، يُعّد الرفقاء المؤهلين في الإدارة العامة للدولة مثل معهد Ena الفرنسي أو معهد Enap الكندي اليوم، وهما معهدان لتخريج القيادات العليا للدولتين المذكورتين.

 

تدرج المسؤوليات

 

         تلك صورة واضحة، عن سعادة الساهر على تثقيف وتنمية وتربية وإعداد الإمكانيات الحزبية لتصبح جديرة بتحمل المسؤوليات الجسام، ولمواجهة الأوضاع المصيرية والمحن الخبيثة التي كانت – وما زالت – تعصف بالأمة في ذلك الزمن العصيب. لذلك اعتبر سعادة أن إنشاء المؤسسات هو أعظم الأعمال، إذ كان ينتقي المخلصين والمؤهلين لتسنم المسؤوليات، لا سيما رأس المؤسسة.

 

         فالمؤسسات وحدها هي الضامن، ووحدها تحمل التعبير الصحيح عن المجتمع. فهي شخصية المجتمع، وبقدر كثرتها وتنظيمها تتضح صورة المجتمع، كما تبرز مواهبه وقدراته. فتظهر ملامح الدولة المنظمة على الأسس والقوانين. لذلك شرّع لعدة دوائر (إدارات) خاصة ضمن عمدة الدفاع، وكالقانون الخامس الخاص بعمدة  المالية على سبيل المثال.

 

         اليوم، ونتيجة للتطورات العلمية والتقنية العالية، وبزوغ فجر الإختصاصات الجديدة في الإتصالات وخلافه.. فقد بات على من يتولى المسؤوليات في الإدارات والمراكز العليا في الدولة أن يحمل اختصاصاً علمياً عالياً. إذ أن تعقد المشاكل الدولية، والصراع على الموارد الأولية، والضغوطات التي تمارسها منظمة التجارة الدولية على سورية وعالمها العربي، وأزمات الإقتصاد العالمي، ومحاولات الدول الكبرى فرض عملاتها كوسيلة وحيدة للتداول، وتبلور نظريات جديدة لا سيما النيوليبرالية.. كل ذلك يجب أخذه في الحسبان عند إجراء أية عملية انتخابية، وإنتقاء المؤهلين علماً وفكراً ونضالاً لتحمل المسؤوليات القومية الكبرى.

 

         وهذا ما أوضحه سعادة في دستوره، والمراسيم الدستورية. وهذا ما لا يُعمل به اليوم، بعد سلسلة التعديلات المخالفة بل والمناقضة لدى حاملي اليافطة من الفريقين، لا سيما المرسوم الدستوري السابع: رتبة الأمانة، الذي هو أساس الديموقراطية التعبيرية والتي ينعتها سعادة بالجديدة في هيكلية نظامه الجديد، وفي غاية حزبه.

 

         نحن حزب غير عادي، ويمر اليوم في ظروف غير عادية، لذلك من الضروري التمسك بكل ما خطّه سعادة في دستوره، نظامه الجديد – خلافاً للتعديلات التي تناولت هذا الدستور  - لتشهد الأمة في ظروف محنتها المتتالية على عظمة هذا النظام، وبالتالي هذا العقل الذي ولَّده، كما ولّد عقيدته، لذلك يمكننا القول: إن هذا النظام وحده كفيل بنقل الأمة من حال التردي والفوضى إلى مراقي العز والتقدم والإزدهار، وأنه من غير المسموح إطلاقاً أن تأتي قيادات دون المستوى – لحزب النهضة – في هكذا ظروف قومية مصيرية تشهد فيها أمتنا مؤامرات جديدة تهدف إلى تمزيقها إلى أثنيات وأعراق وطوائف ومذاهب… وإلى كيانات جديدة أين منها كيانات سايكس – بيكو؟؟

 

         لم تحاول جُلّ القيادات الحزبية المتلاحقة منذ استشهاد سعادة وحتى اليوم، على التشبه به، واتخاذه قدوة ومثالاً ومعلماً وهادياً و.. وإلاّ لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أوضاع داخلية شاذة، وبالتالي غريبة عن سعادة.

 

         ولم نعمد طوال تاريخنا الحزبي لإنشاء معهد للإدارة الحزبية العالية، أو مكتب دراسات وأبحاث للأوضاع القومية العامة!

 

         ولم نضع سلسلة الرتب المطلوبة التي تناولها نص واضح في المادة الخامسة من دستوره: نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف….

 

         وقد أشار الزعيم إلى الرتبة العليا في المرسوم السابع، على أن نستكمل نحن – تلامذته – بقية الرتب.

 

         وحدّد المرسوم السابع الخاص برتبة الأمانة كل ما يتعلق بهذه الرتبة و شروط منحها، والمهام التي يتمتع بها حاملوها و…، ومنها تتضح أهمية هذه الرتبة، ودورها في الحزب، وبالتالي خطورة دور حامليها بشكل عام، مما يدفعنا للقول أن المسؤوليات العليا في الحزب، يجب أن تناط حصراً بأصحاب الرتب (أصحاب الإختصاص العلمي والعملي) أي أصحاب الكفاءات والمؤهلات والمزايا النضالية.

 

وكما أن الفرد منا، لا يمكنه في عالم اليوم، أن يحصل على أية وظيفة لمجرد شخصه، بل عليه أن يكون حامل شهادة اختصاص معين حصل عليها بجده واجتهاده تؤهله للحصول على الوظيفة التي يستحقها، كذلك لا يمكن أن يحصل أي رفيق على رتبة أو وظيفة إلاّ نتيجة إيمانه ونضاله المميز وعمله الدؤوب لمصلحة حزبه ووطنه. وأن يكون زاهداً في العمل القومي، صاحب عقلية ثورية واعدة وخلاّقة، متحلية بالعزة والنزاهة والشرف والطُهر في الأداء، فتمثل أملاً زاهياً وبراقاً يُحيي في نفوس القوميين كل القيم النضالية والإجتماعية السورية المستمدة من تاريخ سورية القومي وتاريخ الحزب البطولي، فتولد فئات أخرى نخبوية تقفز إلى واجهة العمل القومي الإجتماعي في ظروفنا القاتمة اليوم. مما يساهم في صعود نُخب من المجتمع السوري تتلألأ ظلال شخصياتها في أرجاء سورية كما تتلألأ النجوم في السماء فتساعد القوافل التائهة والتي تسير على غير هدى على الوصول إلى طريق السلامة والعزة والمجد لسوريانا.

// النضال قولاً وعملاً //

 

بإمكان القومي الإجتماعي أن يتسلم مسؤولية دنيا في الشأن الإجتماعي أو السياسي، وأن يتدرج في تحمل المسؤوليات، ويعمل تحت كل الظروف السهلة والصعبة حيث يؤهله نجاحه للترشح لوظيفة أعلى، أو رتبة أعلى من التي يحملها. هذا هو منهج تحمل المسؤولية في نظامنا الجديد، حيث المؤهلون للإضطلاع بالمسائل الفكرية والسياسية الشائكة يجب أن يكونوا أصحاب اختصاص عالٍ وحملة شهادات ومناضلين بالقول والفعل. لذلك يتحمل أصحاب الرتب: الوظائف القيادية في المجتمع ومؤسسات الدولة، ويتسلم حاملو رتبة الأمانة الوظائف السياسية في مؤسسات الدولة العليا، لا

المزيد


القواعد الحقوقية للدولة القومية - طاهر غدار

نيسان 22nd, 2008 كتبها فادي بشناتي نشر في , مساهمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 القواعد الحقوقية للدولة القومية

طاهـر غـدار

 

 

آذار 2008

 

 

 

 

 

 

 

        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منذ صاغ سعادة دستور الحزب في 21/11/1934، منذ ذلك التاريخ والقوميون الاجتماعيون يحتفلون بعيد إبرام الدستور الذي اجترحه زعيمالحزب من حياة شعبه وتاريخه التليد معلناً فيه حقوقه القومية .

 

وهذا العيد، هو مناسبة، من جملة المناسبات القومية الاجتماعية التي يجب أن يفخر بها القوميون الاجتماعيون، كما تفخر أمتهم بهم، وبإنتاجهم الفذ، وبعطاءاتهم التي لا حدود لها لصالح أمتهم العظيمة.

 

         والدستور هو أول عمل قومي في سورية يدّل على عودة الحياة إلى العلم والقانون والفعل الحضاري. كما وحزبنا السوري القومي الاجتماعي، أول مؤسسة ديمقراطية تعبّر عن الإرادة العامة للشعب السوري. وهو بخلاف كل الأحزاب: الحزب- الدولة، بما هي مظهر سياسي حقوقي لمجتمعها، يهتم بقضايا وجودها وحياتها وارتقائها ومصيرها وسط زحمة تنازع الأمم البقاء والتصادم على المصالح القومية.

 

         وفي 20/1/1937، صنّف سعادة دستوره بعدما كان استكمل بناء الجذع كما يقول في رسالته إلى سلمى صائغ عام 1936.

 

         في الحقيقة، أن هاتين المناسبتين عامي 1934 و 1937، هما مناسبتان قوميتان بامتياز. وهما من جملة المناسبات التي يجب أن لا يغفلهما القوميون الاجتماعيون نظراً لمغزاهما العميق في تاريخ أمتنا الحديث.

 

ويعكس وجود الدستور، وعي الأمة لذاتها، ووعيها لوحدة حياتها ومصيرها وقوتها وشخصيتها الاجتماعية الواحدة. كما يعكس تأسيس الدولة على مبادئ قانونية راسخة: هدفها تنظيم وسير عمل مختلف السلطات في الدولة. كما يعكس أيضاً، ما ينطوي عليه من إقرار بحقوق الإنسان، وعلاقات أفراد المجتمع بأركان الدولة، وتعتبر الفيلسوفة الالمانية المعاصرة آنا ارند في كتابها ما هي السياسة الدستور في هذه الحال شهادة مكتوبة عن علاقات أبناء المجتمع الواحد بعضهم ببعض ذاهبة إلى اعتبار الدستور: الرباط الدائم.

                  

            معنى النظام

 

         ونحن أمة العلم، تعتبر العقل شرعاً أعلى، لذلك نلحظ باهتمام واضح في هذا النظام الجديد ارتكازه على العقل والقيم المستمدة من تاريخ سورية الثقافي السياسي القومي، فنلمح فيه أيضاً وأيضاً ذلك التنظيم العقلاني الفريد والبديع في آن.. لذلك يحتل دستورنا مرتبة خاصة في حياتنا القومية بالنظر لاكتنازه ُجملة ً من القواعد الحقوقية والنظامية التي تقنن تنظيم وسير عمل كافة مؤسسات دولتنا القومية العتيدة.

 

         ويرتكز النظام الجديد الذي أرساه سعادة في دستوره، على المبادئ الأساسية  (العقيدة) لاسيما المبدأ الأساسي الثامن القائل بمصلحة سورية فوق كل مصلحة، وأساسه العلمي في نشوء الأمم ، إضافة إلى نظرة سعادة الفلسفية إلى الاجتماع والسياسة.

 

         وحول معنى النظام يعيد سعادة في محاضرته الثانية في الندوة الثقافية بتاريخ 18/1/1948، إسماع القوميين الاجتماعيين الخطاب المنهاجي ، هذا الخطاب الاساسي الذي يمكن منه ان نفهم فهماً جلياً معنى الحزب – الدولة ، والذي كان سبق وألقاه في أول اجتماع مركزي في أول حزيران 1935. وكان قد باشر بإلقاء هذه المحاضرات بُعيد عودته إلى الوطن من مغتربه القسري. وكانت قيادة الحزب- آنذاك- قد انحرفت عن جادة الصواب القومي. فأعاد سعادة التذكير بالأسس والمنطلقات العقدية والنظامية القومية الاجتماعية. ويتوقف فيه مراراً عند معنى النظام كقوله : والنظام في عرفنا هو ما قلت وكررت انه لا يعني الترتيبات الشكلية الخارجية، بل هو نظام الفكر والنهج، ثم نظام الاشكال التي تحقق الفكر والنهج.

 

         النظام في عرفنا ليس مجرد تنظيم دوائر وصفوف. النظام شيء عميق جداً في الحياة. ولذلك قلت أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو قوة ستغيّر وجه التاريخ.

 

         هذا الكلام الواضح لسعادة، عن النظام، يلوح لي أنه لم يُفهم الفهم الصحيح بعد أكثر من 70 عاماً على قوله، وبعد أكثر من نصف قرن على أول تعديل دستوري –بعد استشهاد سعادة- عام 1951.

        

ونردد هذا الكلام اليوم –أيضاً- لأننا على أبواب انتخاب قيادة جديدة للحزب في أيار القادم . يسبقه عادة انعقاد المؤتمر العام. ُتناقش فيه على صعيد الإجمال بعض التعديلات الدستورية، كما اعتدنا أن يحصل في كل مؤتمر. مع الإشارة إلى العلل الكثيرة التي ترافق عادة انعقاد هكذا مؤتمرات لغير أصحاب الاختصاص. وبالتالي نتحمل وِزر النتائج المترتبة عنه.

 

والحقيقة، أنه منذ أول تعديل، ولغاية تاريخه. لأن الدستور عُدّل مراراً وتكراراً. كما عُقدت لتاريخه سلسلة مؤتمرات ومرّ الحزب بسلسلة نكسات وانقسامات و.. كلها تؤكد على عدم سير الحزب على الطريق القويم الذي رسمه مؤسسه ؟؟ مما يؤكد على حقيقة مُرة لا يمكن نكرانها وهي عدم فهمنا هذا الدستور فهماً صحيحاً. فتعاملنا معه معاملة سيئة. ودليلنا على ذلك كثرة التعديلات المخالفة والمتناقضة مع الأصل. مما يصح القول معه اننا ارتكبنا ما أُصطلح على تسميته بالخرق الدستوري عدة مرات.

 

 

 

من جهة أخرى، لطالما تغاضينا عن المرتكزات الأساسية لنظامنا الجديد. فلم نضعها نصب أعيننا عند التفكير بإجراء أي تعديل ؟؟

 

كما لم تجهد القيادات منذ استشهاد سعادة، والتي كانت قريبة منه، على وضع الشروحات المفيدة للدستور. لاسيما حول هذه المرتكزات، فحافظت عليه محافظتها على صندوق مغلق.

 

و نلمح في دستور سعادة، ذلك العقل المؤسساتي، كما نلمح الاشكال الناتجة عن نظام الفكر والنهج وخلاصتها أن هذا النظام هو لهذه العقيدة بمثابة التوأم. وان الاشكال التي تتحقق أمامنا هي نتيجة فكر، فإذا خرجت عنه، أصبحت شكلاً دون محتوى كالطبل الفارغ.

 

وليس القصد من نظام الحزب تحقيق أغراض سياسية آنية عابرة ، بل الالتزام بقضية تتحقق بواسطة المؤسسات الصادرة عن هذا النظام . وبالتالي، فكل ما يصدر عن الحزب يجب أن يكون ملتزماً بالعقيدة والنظام.

 

وشأن أساسي آخر، هو ما ورد في مقدمة الدستور حول التعاقد مع سعادة: الشارع، صاحب الدعوة، وواضع أسس النهضة على أن يكون زعيم الحزب- الدولة.

 

ينتج عن ذلك، أن المؤسسة التشريعية (المجلس الأعلى) ملتزمة بالدستور الأساسي، ويرتبط أعضاؤها بقسم مسؤولية كان سبقه قسم عضوية وكلاهما يؤكدان على خدمة القضية . كما ان سعادة نفسه كان قد أقسم قسم الزعامة- والذي لم يكن ملزماً بتأديته- وفيه يؤكد ارتباطه بخدمة القضية السورية القومية الاجتماعية.

مما يعني، ان هذه المؤسسة ملتزمة بالدستور الأساسي الذي ينظم عمل المؤسسات السياسية، وبالتالي هي معنية باحترام المرتكزات الأساسية للفكر الدستوري القومي الاجتماعي.

 

            أسس الدستور

 

في دستور سعادة نلمح فكره الدستوري المنبثق عن نظرة فلسفية والمرتكز الى نظرته الواضحة والشاملة الى الاجتماع والسياسة فنرى الأسس التالية:

1-      التعاقد مع سعادة.

2-      احترام مبدأ الفصل بين السلطات.

3-      إنشاء مؤسسات للسياسة وأخرى منفصلة عنها انفصالاً تاماً للاجتماع (عدم تعريض مؤسسات الدولة لعبث الجمهور- نشوء الأمم).

4-      قادة الحزب – الدولة يتم اختيارهم من نخبة علمية وفكرية ونضالية.

5-      مركزية السلطات في الدولة.

6-      استقلالية القضاء وعلنيته.

 

 

باختصار، صاغ سعادة دستوراً مبنياً على أساس لا يمكن تبديله لأننا الطرف الثاني في التعاقد، فهذه المبادئ أعلاه هي أساس البناء. وهناك أثاث، يمكن إجراء تعديلات عليه حين تدعو الحاجة.

 

يمكن تشبيه ذلك بالبناء المتين ذي الأسس الراسخة في الأرض الصلبة، فإذا خضعت للتبديل أو التغيير سقط البناء. لكن يمكننا إجراء التعديلات على الأثاث، أي على داخل الغرف دون التعرض للأساس.

 

إذن، هناك مبادئ أساسية يجب احترامها عند إجراء أي تعديل دستوري: الالتزام الأمين بقواعد الفكر والنهج.

 

وهناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها قبل التفكير بإجراء أي تعديل.

 

         متى نعدل؟ أسباب التعديل؟ موجباته؟ ضروراته؟ مراميه؟ ماذا نعدل؟ متى ُنقدم على خطوة التعديل: الظروف والآليات… وأخيراً، من يملك حق التعديل؟ وعلى من نعرضه قبل أخذ القرار الحاسم بالتعديل؟

 

الحقيقة، ان هذه الأسئلة كلها، تبقى مشروعة، وبالتالي مطروحة على بساط البحث قبل المباشرة بإجراء التعديلات، لاسيما عندما يكون الدستور القومي الاجتماعي هو الذي سيتعرض للتعديل.

 

والحقيقة الأخرى، ان دستورنا مرن، ويسمح بإجراء تعديلات معقولة عليه، وقد ورد في المادة العاشرة من الدستور الأساسي فقرة تسمح بتعديل الدستور.

فالتعديل، واجب وضروري طالما هناك حاجة ماسة، وطالما يفرز التطور حاجاتاً جديدة يجب أخذها بالحسبان. ومؤلف (نشوء الأمم) دعانا باستمرار لاعتماد العلم في كل أعمالنا على طريق إقامة حياة جديدة لسورية فيها العز والمجد والخير والسعادة.

 

نقول ذلك، من مجرد النظر الى التعديلات السالفة المكدسة المتفاوتة والمخالفة لبعضها البعض. لدرجة أنه يمكن القول: أن دارس سنة أولى حقوق في الجامعة اللبنانية إذا ما تناولها بالقراءة سينظر باستخفاف شديد إلى هذا الدستور بمختلف التعديلات التي طرأت عليه منذ استشهاد سعادة عام 1949 وحتى اليوم!!

 

ونقول ذلك، دون تناول العقيدة التي هي صنو النظام، والتي حاول ايضاً العابثون العبث بها، بإدخال بعض الطروحات الجديدة الملقاة على قارعة الطرق! وقد منُوا بفشل ذريع على هذا الصعيد.

 

لقد مُنَي حزبنا، نتيجة هذه التعديلات الغريبة والمتناقضة بسلسلة كوارث في هذا المنحى، تدل كلها على خلو حزبنا من إمكانيات حقوقية أو قانونية. ونعرف انه برزت في الحزب أسماء لامعة على الصعيد الحقوقي ، ثم انطفأت دون أن تقدم جديداً على هذا الصعيد. كما نعرف انه يوجد مئات المحامين  القوميين الاجتماعيين في نقابة المحامين؟! لماذا لا تلتئم مجموعة صغيرة منهم في لجنة مؤقتة أو دائمة للنظر بالتعديلات الدستورية قبل الإقدام عليها!

 

                        تمأسُـس الأحزاب

 

ومن العودة إلى كل ما صدر من جديد على صعيد العلم الإداري، نجد أن إدارات الحزب على اختلافها لم تلم وبالتالي لم تخضع للنهج التقويمي الحديث بحيث أن هذه الإدارات الحزبية لم تلزم نفسها بتحسين مستمر لأعمالها الإدارية والتنظيمية، وبالتالي تحسين مهاراتها وفق نماذج التنظيم والتخطيط والإدارة الحديثة على طريق التجدد المستمر، باعتماد قواع

المزيد


الكيانية وعصر التكتلات الكبرى - نبيل المقدم

أيار 24th, 2007 كتبها فادي بشناتي نشر في , مساهمة

 

نبيل المقدم *

لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الأحداث الجارية في عالمنا العربي منذ فترة من الزمن تمتد الى ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948، ثم ما تلا ذلك من حروب عربية إسرائيلية وصولاً الى الغزو الأميركي للعراق، وانتهاءً بالأحداث الأخيرة المستمرة في لبنان منذ سنتين، عن منبعها الأساسي ألا وهو الواقع السياسي والاجتماعي المترهل الذي تعيشه منطقتنا العربية والذي سمح للمخططات الاستعمارية القديمة والحديثة بالتقدم في اتجاه وضع يدها على جزء كبير من المصالح القومية العليا للأمة وتسييرها وفق مشاريعها ومخططاتها.
في قراءة هادئة وموضوعية يتبين لنا حجم وضراوة التهديدات والأخطار التي يواجهها مجتمعنا في أمنه ووجوده نتيجة عدم التوجه نحو مكمن العلل لمعالجته المعالجة الجذرية المطلوبة. إن مكمن العلل هذا يتمثل في حصول عملية اضمحلال شديدة للعصبية القومية في مجتمعنا، التي هي حصيلة ونتيجة وعي المجتمع لتاريخه ومصالحه وهويته الحضارية والثقافية. إن غياب العصبية القومية أدى الى تقدم سريع للنهوج الكيانية التي احتُضنت وبوركت من قبل السياسات الرسمية في العالم العربي، حتى باتت هذه العصبية غائبة اليوم تمام الغياب عند معظم حكام عالمنا العربي، وهم بدورهم لا يعدمون وسيلة لتغييبها عن ثقافة شعوبهم. وقد أدى غيابها عن الوجدان القومي العام، الى تفشّي أمراض اجتماعية خطيرة في مجتمعنا راحت تنهش في جسم هذا المجتمع وتأكل من حيويته، كالطائفية والإقطاعية والمذهبية.
وغياب العصبية القومية أيضاً أدى الى تقدم للأصوليات الدينية التي راحت تقدم نفسها بديلاً من العصبية القومية الجامعة وتحمّلها مسؤولية النكبات والخيبات التي حلّت بنا. صحيح أن هذا المنطق هو في النهاية سائر في اتجاه الفشل والتلاشي، لكن لا يمكننا الإغفال عن حجم الكوارث والنكبات التي سببها هذا المنطق للمجتمع عندنا.
وأدى غياب التلاحم القومي أيضاً الى وقف عجلة التقدم الاجتماعي والثقافي عن الدوران بشكل جدي في مجتمعنا، بل على العكس من ذلك فقد ازدادت في ظل غياب هذا التلاحم عوامل التفسخ الاجتماعي بين أبناء الأمة الواحدة. وأدّت هذه السياسات الكيانية الى أن تصل الأمور الى حد أن العدو الصهيوني الذي كان لفترة من الزمن مرفوضاً بشكل قاطع رسمياً وشعبياً في عالمنا العربي، أصبح له في هذه الكيانات موطىء قدم رسّخه اعتراف بعض الحكام به رسمياً. لقد أدى انتهاج هذه السياسات الكيانية الى تحييد مصر التي لها ثقلها الاستراتيجي والحيوي الفعال من عملية الصراع مع إسرائيل وجرّ الأردن مخفوراً الى توقيع معاهدة سلام مع العدو بعد تهديده بتنفيذ مشروع الترانسفير وتحويله الى الوطن الفلسطيني البديل، وأدت السياسات الكيانية المتهورة للنظام العراقي السابق الى وصول العراق اليوم بعد غزوه من قبل الولايات المتحدة الى حافة التقسيم والتجزئة جغرافياً وسياسياً واجتماعياً وأصبحت ثرواته القومية عرضة للهدر والاستباحة. وكان النهج الكياني سبباً أساسياً في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975. ليس سراً القول إن الكيان اللبناني نشأ بفعل تصادم المصالح الفئوية الداخلية والتقائها مع مصالح أجنبية.
ولقد رسخت هذه السياسة الكيانية المصالح الطائفية والمذهبية وغابت من بنية النظام السياسي في لبنان كل مؤشرات الفكر القومي الجامع، ونتيجة ذلك شهدنا جنوح بعض الفئات اللبنانية إبان الحرب الأهلية نحو ال

المزيد