عوامل نشوء الدولة القومية ومعوقاتها
طاهـر غـدار
الحلقة الأولى /
التمهيد: بدايات التأسيس.. بدايات التأهيل
أول آذار 2008
بعد عودة سعادة إلى الوطن في تموز 1930، تنقل في بعض أرجائه للتعرف على أوضاع شعبه عن قرب، فلم يجد أية مؤسسة يمكن الإعتماد عليها لنهوض بلاده من كبوتها. إذ كانت فريسة التجزئة بفعل مؤامرة سايكس – بيكو، والوعد البريطاني باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. إضافة إلى الإنقسامات والأمراض الإجتماعية والطائفية والسياسية. فأسس القضية القومية الإجتماعية، وأنشأ الحزب – الدولة، المعبّر عن يقظة الأمة ووعيها شخصيتها القومية. وصاغ لهذه الدولة دستوراً يعبر عن وجودها بسلطة قومية إجتماعية واحدة.
ولتأكيد توجهه هذا، أفرد سعادة في كتابه العلمي نشوء الأمم فصلاً كاملاً لموضوع الدولة تناول فيه: نشوئها وتطورها ووظائفها واشكالها وظهور سلطاتها. وانتهى إلى الدولة القومية الديمقراطية التي تناولها في كثير من مقالاته ورسائله وخطبه ومحاضراته. وبامعاننا النظر في كل هذه الكتابات، يتضح أن نظرة سعادة للدولة تختلف عن كل النظريات التي كانت سائدة في زمانه وبالأخص عن كل من الماركسية والليبرالية. فالدولة عنده هي مظهر سياسي بامتياز، وهي منبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه ( نشوء الأمم ) . ويقول بتاريخ 17/3/1942 أنه آخذ في التخطيط لموضوع فلسفي في الدولة وانشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي إتخذته بعد الثورة الفرنسية.
وتمهيداً لهذا العمل الكبير، باشر سعادة ببناء المؤسسات الصالحة للنهوض القومي: فكان دستور الدولة المرتقبة بكافة سلطاتها: التنفيذية، التشريعية والقضائية، هو المرتكز الأساس لبناء النظام الجديد، والمراسيم الدستورية السبعة المرتكزة عليه والتي يمكن تعديلها حين تدعو الحاجة إلى ذلك – أي عند الإنتقال من مرحلة الحزب إلى مرحلة الدولة – فقد كانت فكرة سعادة بالأساس بعيد عودته إلى وطنه، تحرير بلاده من شتى أنواع الإحتلال، ومن ثم صهرها في وحدة قومية اجتماعية متينة لإطلاق نهضتها وإعادة تأدية رسالتها تجاه الإنسانية.
هذا ما نلمحه في دستوره الذي يتضمن كافة قوانين الدولة، ويعبّر عن وجودها ومصالحها ويوضح كيفية العمل لرفع مستوى حياتها، كما يحتوي على مبادئ وأحكام تنتظم بموجبها حياة الدولة العامة وتخضع لها المؤسسات أو الهيئات المركزية التي تشكل المظهر السياسي الحقوقي للدولة.
والدولة التي يصبو إليها سعادة، واضحة الملامح من روح دستوره، وبناؤها يتطلب رجالاً مقتدرين، أصحاب كفاءة عالية، رجالاً مؤهلين للأعمال الكبيرة، مستعدين لمواجهة أقدارهم بعزة وكرامة. كما واجه سعادة قدره بكل جرأة وشجاعة، وقدم دمه قرباناً: كل ما فينا هو للأمة…
تأهيل المثقفين
كان سعادة يعلم علم اليقين، أن حياته في خطر، وأنه عرضة باستمرار للاغتيال أو القتل أو… لذلك حاول جهده بناء النفوس المقبلة على الحزب، وركّز نشاطه على المثـقفين منهم، ليصرف وقته على تعليمهم وتدريبهم على تحمل الصعوبات وصقلهم بالعلوم والمعارف، فكان يسهر شخصياً، على حساب صحته، على توجيه القوميين النبهاء لإدراكه خطورة العمل الذي أقدم عليه.
.. النهضة السورية القومية التي يقودها زعيم وقف نفسه على تنظيم شعبه وتدريبه على الصلاحيات والمسؤوليات التي بها تقوم الأعمال الجديرة بإنالة الشعب استقلاله…
مقالة المتأمرون يعودون إلى التآمر
الزوبعة – العدد 14 تاريخ 15/12/1941
كان دائم التفتيش عن أصحاب المواهب الثقافية والفكرية، يستعين بها في إدارات الحزب العليا، ليضاعف من ثقافتها وخبراتها، وليعتمد عليها لاحقاً في المسؤوليات الجسام التي تواجه الأمة والوطن. لذلك استبقى نعمة ثابت، عام 1938 في الوطن نظراً لخبراته الواسعة في إدارة الحزب، وكان عازماً – قبلاً – على اصطحابه معه في رحلته إلى أوروبا والمهاجر السورية. وقد نقل الرفقاء الأوائل عنه، أنه كان يدقق كثيراً في اختيار المسؤولين: من أصحاب الخبرات والمواقف الصلبة والارادة المصممة في الظروف الصعبة، إضافة إلى تمتعهم بالكفاءات والإدراك العالي.
إن نظرة سريعة إلى المعاونين الأول، لا سيما أول مجلس عمد وما تبعه، تؤكد على حقيقة هذا المنحى. ولاحقاً قرّب منه بعض المتنورين ثقافياً مثل هشام شرابي الذي طلب منه البقاء إلى جانبه للتخصص في دراسة الفلسفة المدرحية.. إن نظرتك الواضحة إلى ما وصلت إليه واقتناعك باكتفائك من الدروس الفلسفية وبحاجتك إلى العودة إلى الوطن – إلى مدرستنا الفلسفية الإبداعية، لمعالجة أسسها العقدية وإكمال بناء نفسك في تعاليمها وتثقيف الأفكار بها – إن هذه النظرة تتفق كل الإتفاق مع حديثي الأخير إليك وإلى الرفيق فؤاد نجار في وجوب البناء النفسي الفلسفي في تعاليمنا ومذهبنا الأصيل… أرحب كثيراً برأيك في تقسيم العمل بين اختصاصيين وهو ما كان من جملة قواعد التنظيم الحزبي التي وضعت تشاريعها…
إن عودتك في أواخر هذه السنة تأتي مناسبة لاحتياجات النهضة العظيمة التي تقوم بها. ومع أني كنت أود أن تكمل درس الدكترة من أجل قيمة المركز العلمي والرتبة بالنظر لمفهوم البيئة ونظر المؤسسات التهذيبية، فإني أفضل اكتفاءك من التخصص في العموميات بما وصلت إليه لتنصرف إلى التخصص في فلسفتنا وقيمنا والعمل في ثقافتنا. فمجموعنا القومي الإجتماعي في أشد الحاجة إلى المتخصصين في عقيدته الذين ينصرفون إلى توطيد أسس نهضته وتقوية ثقته بنفسه وبمصيره. وإن وجودك بقربي سيعينني على تصريف أمور كثيرة تزدحم وتتراكم حولي وليسوا كثراً الذين أستطيع تكليفهم النظر في بعضها.
من رسالته إلى هشام شرابي 23/8/1948
كما اهتم بغسان تويني بعد سفره إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته الجامعية. وهذا واضح من الرسائل العديدة والطويلة التي كتبها له خلال فترة زمنية وجيزة… كل ذلك لأنه وجد لديه مؤهلات فكرية، وفي هذا يقول له في رسالته إليه بتاريخ 9/7/1946: .. عملاً بقاعدة التدقيق الشديد في المسائل العقائدية والفكرية مع الرفقاء المؤهلين لتناول شؤون الفكر العليا.. ولأني أحب أن أنّشط فيك هذه الناحية الضرورية للعمل السياسي العالي. وفي رسالة أخرى له بتاريخ 4/8/1946 يقول: وقد رمت سياستي دائماً إلى تقوية الأشخاص المؤهلين وجعل المضطلعين منهم بالأعباء يشعرون أنهم يتمتعون لقاء مسؤولياتهم الكبيرة بصلاحيات واسعة على نسبة كبر المسؤولية… بناء النفوس المؤهلة في العقيدة والنظام. أريد أن أقول أن غرض ملاحظاتي هو غرض تعليمي إصلاحي عملاً بالقاعدة المذكورة، وإني أزيد على ما تقدم أنه لما كان الأمر متعلقاً بمن هو مثلك، ومثل الرفيق فايز صايغ من تلامذة العقيدة القومية الإجتماعية وحملة أفكارها وممثلي روحيتها، فلن أترك التثقيف لألجأ إلى السياسة. بهذه الطريقة بنيت شخصيات أعضاء المجلس الأعلى وإدارة الحزب العليا…
نخلص إلى أن سعادة فيما سبق وأوردناه، هو بمثابة معهد دراسات عليا قائم بذاته، يُعّد الرفقاء المؤهلين في الإدارة العامة للدولة مثل معهد Ena الفرنسي أو معهد Enap الكندي اليوم، وهما معهدان لتخريج القيادات العليا للدولتين المذكورتين.
تدرج المسؤوليات
تلك صورة واضحة، عن سعادة الساهر على تثقيف وتنمية وتربية وإعداد الإمكانيات الحزبية لتصبح جديرة بتحمل المسؤوليات الجسام، ولمواجهة الأوضاع المصيرية والمحن الخبيثة التي كانت – وما زالت – تعصف بالأمة في ذلك الزمن العصيب. لذلك اعتبر سعادة أن إنشاء المؤسسات هو أعظم الأعمال، إذ كان ينتقي المخلصين والمؤهلين لتسنم المسؤوليات، لا سيما رأس المؤسسة.
فالمؤسسات وحدها هي الضامن، ووحدها تحمل التعبير الصحيح عن المجتمع. فهي شخصية المجتمع، وبقدر كثرتها وتنظيمها تتضح صورة المجتمع، كما تبرز مواهبه وقدراته. فتظهر ملامح الدولة المنظمة على الأسس والقوانين. لذلك شرّع لعدة دوائر (إدارات) خاصة ضمن عمدة الدفاع، وكالقانون الخامس الخاص بعمدة المالية على سبيل المثال.
اليوم، ونتيجة للتطورات العلمية والتقنية العالية، وبزوغ فجر الإختصاصات الجديدة في الإتصالات وخلافه.. فقد بات على من يتولى المسؤوليات في الإدارات والمراكز العليا في الدولة أن يحمل اختصاصاً علمياً عالياً. إذ أن تعقد المشاكل الدولية، والصراع على الموارد الأولية، والضغوطات التي تمارسها منظمة التجارة الدولية على سورية وعالمها العربي، وأزمات الإقتصاد العالمي، ومحاولات الدول الكبرى فرض عملاتها كوسيلة وحيدة للتداول، وتبلور نظريات جديدة لا سيما النيوليبرالية.. كل ذلك يجب أخذه في الحسبان عند إجراء أية عملية انتخابية، وإنتقاء المؤهلين علماً وفكراً ونضالاً لتحمل المسؤوليات القومية الكبرى.
وهذا ما أوضحه سعادة في دستوره، والمراسيم الدستورية. وهذا ما لا يُعمل به اليوم، بعد سلسلة التعديلات المخالفة بل والمناقضة لدى حاملي اليافطة من الفريقين، لا سيما المرسوم الدستوري السابع: رتبة الأمانة، الذي هو أساس الديموقراطية التعبيرية والتي ينعتها سعادة بالجديدة في هيكلية نظامه الجديد، وفي غاية حزبه.
نحن حزب غير عادي، ويمر اليوم في ظروف غير عادية، لذلك من الضروري التمسك بكل ما خطّه سعادة في دستوره، نظامه الجديد – خلافاً للتعديلات التي تناولت هذا الدستور - لتشهد الأمة في ظروف محنتها المتتالية على عظمة هذا النظام، وبالتالي هذا العقل الذي ولَّده، كما ولّد عقيدته، لذلك يمكننا القول: إن هذا النظام وحده كفيل بنقل الأمة من حال التردي والفوضى إلى مراقي العز والتقدم والإزدهار، وأنه من غير المسموح إطلاقاً أن تأتي قيادات دون المستوى – لحزب النهضة – في هكذا ظروف قومية مصيرية تشهد فيها أمتنا مؤامرات جديدة تهدف إلى تمزيقها إلى أثنيات وأعراق وطوائف ومذاهب… وإلى كيانات جديدة أين منها كيانات سايكس – بيكو؟؟
لم تحاول جُلّ القيادات الحزبية المتلاحقة منذ استشهاد سعادة وحتى اليوم، على التشبه به، واتخاذه قدوة ومثالاً ومعلماً وهادياً و.. وإلاّ لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أوضاع داخلية شاذة، وبالتالي غريبة عن سعادة.
ولم نعمد طوال تاريخنا الحزبي لإنشاء معهد للإدارة الحزبية العالية، أو مكتب دراسات وأبحاث للأوضاع القومية العامة!
ولم نضع سلسلة الرتب المطلوبة التي تناولها نص واضح في المادة الخامسة من دستوره: نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف….
وقد أشار الزعيم إلى الرتبة العليا في المرسوم السابع، على أن نستكمل نحن – تلامذته – بقية الرتب.
وحدّد المرسوم السابع الخاص برتبة الأمانة كل ما يتعلق بهذه الرتبة و شروط منحها، والمهام التي يتمتع بها حاملوها و…، ومنها تتضح أهمية هذه الرتبة، ودورها في الحزب، وبالتالي خطورة دور حامليها بشكل عام، مما يدفعنا للقول أن المسؤوليات العليا في الحزب، يجب أن تناط حصراً بأصحاب الرتب (أصحاب الإختصاص العلمي والعملي) أي أصحاب الكفاءات والمؤهلات والمزايا النضالية.
وكما أن الفرد منا، لا يمكنه في عالم اليوم، أن يحصل على أية وظيفة لمجرد شخصه، بل عليه أن يكون حامل شهادة اختصاص معين حصل عليها بجده واجتهاده تؤهله للحصول على الوظيفة التي يستحقها، كذلك لا يمكن أن يحصل أي رفيق على رتبة أو وظيفة إلاّ نتيجة إيمانه ونضاله المميز وعمله الدؤوب لمصلحة حزبه ووطنه. وأن يكون زاهداً في العمل القومي، صاحب عقلية ثورية واعدة وخلاّقة، متحلية بالعزة والنزاهة والشرف والطُهر في الأداء، فتمثل أملاً زاهياً وبراقاً يُحيي في نفوس القوميين كل القيم النضالية والإجتماعية السورية المستمدة من تاريخ سورية القومي وتاريخ الحزب البطولي، فتولد فئات أخرى نخبوية تقفز إلى واجهة العمل القومي الإجتماعي في ظروفنا القاتمة اليوم. مما يساهم في صعود نُخب من المجتمع السوري تتلألأ ظلال شخصياتها في أرجاء سورية كما تتلألأ النجوم في السماء فتساعد القوافل التائهة والتي تسير على غير هدى على الوصول إلى طريق السلامة والعزة والمجد لسوريانا.
// النضال قولاً وعملاً //
بإمكان القومي الإجتماعي أن يتسلم مسؤولية دنيا في الشأن الإجتماعي أو السياسي، وأن يتدرج في تحمل المسؤوليات، ويعمل تحت كل الظروف السهلة والصعبة حيث يؤهله نجاحه للترشح لوظيفة أعلى، أو رتبة أعلى من التي يحملها. هذا هو منهج تحمل المسؤولية في نظامنا الجديد، حيث المؤهلون للإضطلاع بالمسائل الفكرية والسياسية الشائكة يجب أن يكونوا أصحاب اختصاص عالٍ وحملة شهادات ومناضلين بالقول والفعل. لذلك يتحمل أصحاب الرتب: الوظائف القيادية في المجتمع ومؤسسات الدولة، ويتسلم حاملو رتبة الأمانة الوظائف السياسية في مؤسسات الدولة العليا، لا













