| ► | تشرين الأول 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | |||||
| 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |
| 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 |
| 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 |
| 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 |
| 31 | ||||||

شباط 18th, 2007 كتبها فادي بشناتي نشر في , سعيد تقي الدين,
تموز 5th, 2006 كتبها فادي بشناتي نشر في , سعيد تقي الدين,
خطاب لم يلق . أعد ووزع مناشير في ليل 8 تموز . استجوبني الأمن العام بشأنه في اليوم التالي . ودخل السجن بسببه عشرات الشبان . ولكنه بعد ذلك ، صار يلقى علناً وينشر في الصحف .
تلقاني صبيان الحي بصراخ الهزء حين ترجلت ، وراح أحدهم يتباهى مذيعاً ان التاكسي اسمها فورد ، وأعلن ترب له أنه لونها رمادي ، فيما ضج جمهورهم بإخباري ، قبل أن أسألهم ، أن الكاهن ليس هناك . بل إن أحدهم تسلق السلم وفتح باب العلية من غير أن يطرقه ثم أطل من نافذتها ضاحكاً : "أرأيت ؟ إنه غير موجود" .
ذلك لأن شياطين الحي الصغار صاروا يعرفون عمن اسأل وأصبح يروقهم أني لا أجد من أفتش عنه . ولعلهم لمحوا من تذمري ومن خيبتي ما استثار فيهم السادية ، فجاء جذلهم على نسبة ما تجلى عليّ من زعل وضياع أمل .
فلقد كانت تلك المرة الرابعة التي قصدت فيها إلى رجل الدين لأستطلعه السر الرهيب .
وفي المرة الخامسة توجهت إليه ليلاً وعلى موعد ، فكان هناك . وحالاً أمحت من ذهني صورة رسمها خيالي ، فلم أجد نفسي أمام شيخ متداع أبيض اللحية ، ولم اسمع صوتاً متهدجاً ، ولا صرعتني مظاهر الوقار وكلمات أبوة ، وجلسنا تحز مسامعي توافه الأحاديث التي تعود الناس مبادلتها فور اجتماعهم . وطالت النزهة الكلامية على شاطئ الموضوع ، وبرح بي القعود على عتبة باب جئت لأفتحه ، فوثبت إلى الهدف مقاطعاً المحدثين قائلاً : حدثني يا محترم عن ليل 8 تموز 1949 .
وغاظني من رجل الدين أنه لم بتلبس حالاً بمظاهر التهيب ، بل بدأ الكلام ، بشيء من غير الاكتراث . ولكن صوته ولهجته وخشوعه وانفعاله بل وبطاءه ، كلها تماوجت مع وقائع ما كان يرويه ، فكأنه عبقري يعزف من موسيقاه قطعة رائعة على البيانو . فدغدغت أنامله أصابع العاج أولاً بعفوية لا تبالي ، وتوالت الألحان تتأرجح وتتسامى متجانسة متضاربة متوافقة حتى بلغت ذروة موسيقى من غير هذه الدنيا . فإذا نحن في العلية نكاد لا نسمع ما يقول ، ولا نرى البيانو ولا اللاعب ولا نعي الألحان . بل شعرنا أن جدران الغرفة انفتحت وارتفعت أرضاً بمن فيها ، فإذا نحن و "سعاده" في السجن ، في الكنيسة ، في المقبرة ، في حفرة من الأرض ، في مسمع الدنيا ، بين المغتربين ، في القصور ، في المحكمة العسكرية ، في المفوضيات ، في غصة القلوب ، في عبسة المغاور ، في لوعة المعاقل ، في رصانة التهذيب ، في هدوء البطولة ، في عزة الصراع ، بين يدي الكبر ، أمام الجلادين ، في طمأنينة المؤمن ، في كهف الغدر ، حراب تطارد المجرمين ، أعلام تصفق للجيوش ، زوبعة تمحق ، وصرخة تعكس موكب التاريخ .
وتناول رجل الدين ورقة من مطاوي جلبابه الأسود الفضفاض منتزعة من دفتر مدرسي ، وهم بقراءتها ، فاعترضته وقلت : اسمعني حديثك لا تقرئني أوراقك ، ولو كانت مذكرات .
فراح يتكلم :
حين فتحت الباب على صوت القرع الشديد في منتصف ذلك الليل ، وجدت نفسي أمام ضباط من الجيش يطلبون إلي أن أرتدي ملابسي وأحمل صليبي وعدة الكهنوت بسرعة . قلت : ما الخبر ؟ أجابوا : سنعدم أنطون سعاده هذه الليلة . ونريد أن تعرّفه وتقوم بمراسم الدين قبل إعدامه .
قلت : إن أمراً كهذا لا يسعني أن أفعله ، آتوني بإذن من سيادة المطران ، هكذا ينص قانونناً الكنائسي . قالوا : ليس لدينا من وقت ، إفعل هذا على مسؤوليتنا نحن . فاعتذرت من جديد . وراحوا يلحون عليّ مرددين أن خرق النظام الكنائسي هو أقل ضرراً من أن يرسل مسيحي إلى الموت غير متمم واجباته الدينية .
وأخيراً أذعنت بكثير من التردد والحيرة ، وركبت سيارتهم في طرقات تعج برجال الأمن من جنود وبوليس ودرك وأسلحة مشرعة ، وأطللنا على سجن الرمل ، فإذا هو منار من الداخل والخارج ، ونزلنا حيث كان ضباط آخرون بانتظارنا .
وأقبل عليّ مدير السجن يعرفني إلى نفسه ، وأخبرني أن هذا هو الإعدام الثالث عشر الذي مر به ، وأن الأمر بسيط فأجبته : "لقد مضى عليً ثلاث عشرة سنة في الثوب الكهنوتي، وهذا أول إعدام سأشهده" وكان الطبي الذي اشترك معنا في الحديث مثلي ، لم يشهد إعداماً في ما مضى .
وزاد مدير السجن فقال : إن هذا المحكوم الخائن انطون هو رجل خائن ، وكافر ملحد يبشر بالكفر والإلحاد ، إنه لن يأبه لك يا أبانا هذا الخائن الملحد الكافر .
ودخلنا حيث كان الزعيم ، في حبس من الغلو نعته أنه غرفة ، فوجدناه مفترشاً بساطاً من قذارة ورقع ، وكان هذا الفراش أقصر من قامته ، فجعل من جاكيته وصلة بين الفراش والحائط كي لا ترتطم به قدماه .
وكان نائماً نوماً طبيعياً ، ورأسه على ذراعه اليسرى التي جعل منها بديلاً عن مخدة لم تكن هناك .
وأيقظناه فنهض حالاً ، وبادرنا السلام ، وخصني بقوله : "أهلاً وسهلاً يا محترم" فأبلغناه أنه لم يصدر عنه عفو وأن الإعدام سينفذ به حالاً . فشكرنا باسماً رزيناً ، واستأذن بلبس جاكيته التي كانت مطوية تحت قدميه ، فأذنوا له ، فشكرهم من جديد ، ولبسها .
وخلوت به ، وسألته إن كان يود أن يقوم بواجباته الدينية ، فأجاب : لم لا ؟ وطلبت إليه أن يعترف ، فأجاب : ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها










