عوامل نشوء الدولة القومية

كتبهافادي بشناتي ، في 22 نيسان 2008 الساعة: 14:53 م

 

 

 

 

عوامل نشوء الدولة القومية ومعوقاتها

طاهـر غـدار

 

 

 

 

 

 

 

الحلقة الأولى /

التمهيد: بدايات التأسيس.. بدايات التأهيل

 

               أول آذار 2008


         بعد عودة سعادة إلى الوطن في تموز 1930، تنقل في بعض أرجائه للتعرف على أوضاع شعبه عن قرب، فلم يجد أية مؤسسة يمكن الإعتماد عليها لنهوض بلاده من كبوتها. إذ كانت فريسة التجزئة بفعل مؤامرة سايكس – بيكو، والوعد البريطاني باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. إضافة إلى الإنقسامات والأمراض الإجتماعية والطائفية والسياسية. فأسس القضية القومية الإجتماعية، وأنشأ الحزب – الدولة، المعبّر عن يقظة الأمة ووعيها شخصيتها القومية. وصاغ لهذه الدولة دستوراً يعبر عن وجودها بسلطة قومية إجتماعية واحدة.

 

         ولتأكيد توجهه هذا، أفرد سعادة في كتابه العلمي نشوء الأمم فصلاً كاملاً لموضوع الدولة تناول فيه: نشوئها وتطورها ووظائفها واشكالها وظهور سلطاتها. وانتهى إلى الدولة القومية الديمقراطية التي تناولها في كثير من مقالاته ورسائله وخطبه ومحاضراته. وبامعاننا النظر في كل هذه الكتابات، يتضح أن نظرة سعادة للدولة تختلف عن كل النظريات التي كانت سائدة في زمانه وبالأخص عن كل من الماركسية والليبرالية. فالدولة عنده هي مظهر سياسي بامتياز، وهي منبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه ( نشوء الأمم ) . ويقول بتاريخ 17/3/1942 أنه آخذ في التخطيط لموضوع فلسفي في الدولة وانشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي إتخذته بعد الثورة الفرنسية.

 

         وتمهيداً لهذا العمل الكبير، باشر سعادة ببناء المؤسسات الصالحة للنهوض القومي: فكان دستور الدولة المرتقبة بكافة سلطاتها: التنفيذية، التشريعية والقضائية، هو المرتكز الأساس لبناء النظام الجديد، والمراسيم الدستورية السبعة المرتكزة عليه والتي يمكن تعديلها حين تدعو الحاجة إلى ذلك – أي عند الإنتقال من مرحلة الحزب إلى مرحلة الدولة – فقد كانت فكرة سعادة بالأساس بعيد عودته إلى وطنه، تحرير بلاده من شتى أنواع الإحتلال، ومن ثم صهرها في وحدة قومية اجتماعية متينة لإطلاق نهضتها وإعادة تأدية رسالتها تجاه الإنسانية.

 

         هذا ما نلمحه في دستوره الذي يتضمن كافة قوانين الدولة، ويعبّر عن وجودها ومصالحها ويوضح كيفية العمل لرفع مستوى حياتها، كما يحتوي على مبادئ وأحكام تنتظم بموجبها حياة الدولة العامة وتخضع لها المؤسسات أو الهيئات المركزية التي تشكل المظهر السياسي الحقوقي للدولة.

 

         والدولة التي يصبو إليها سعادة، واضحة الملامح من روح دستوره، وبناؤها يتطلب رجالاً مقتدرين، أصحاب كفاءة عالية، رجالاً مؤهلين للأعمال الكبيرة، مستعدين لمواجهة أقدارهم بعزة وكرامة. كما واجه سعادة قدره بكل جرأة وشجاعة، وقدم دمه قرباناً: كل ما فينا هو للأمة…

 

تأهيل المثقفين

 

         كان سعادة يعلم علم اليقين، أن حياته في خطر، وأنه عرضة باستمرار للاغتيال أو القتل أو… لذلك حاول جهده بناء النفوس المقبلة على الحزب، وركّز نشاطه على المثـقفين منهم، ليصرف وقته على تعليمهم وتدريبهم على تحمل الصعوبات وصقلهم بالعلوم والمعارف، فكان يسهر شخصياً، على حساب صحته، على توجيه القوميين النبهاء لإدراكه خطورة العمل الذي أقدم عليه.

 

         .. النهضة السورية القومية التي يقودها زعيم وقف نفسه على تنظيم شعبه وتدريبه على الصلاحيات والمسؤوليات التي بها تقوم الأعمال الجديرة بإنالة الشعب استقلاله…

مقالة المتأمرون يعودون إلى التآمر

الزوبعة – العدد 14 تاريخ 15/12/1941

 

         كان دائم التفتيش عن أصحاب المواهب الثقافية والفكرية، يستعين بها في إدارات الحزب العليا، ليضاعف من ثقافتها وخبراتها، وليعتمد عليها لاحقاً في المسؤوليات الجسام التي تواجه الأمة والوطن. لذلك استبقى نعمة ثابت، عام 1938 في الوطن نظراً لخبراته الواسعة في إدارة الحزب، وكان عازماً – قبلاً – على اصطحابه معه  في رحلته إلى أوروبا والمهاجر السورية. وقد نقل الرفقاء الأوائل عنه، أنه كان يدقق كثيراً في اختيار المسؤولين: من أصحاب الخبرات والمواقف الصلبة والارادة المصممة في الظروف الصعبة، إضافة إلى تمتعهم بالكفاءات والإدراك العالي.

 

         إن نظرة سريعة إلى المعاونين الأول، لا سيما أول مجلس عمد وما تبعه، تؤكد على حقيقة هذا المنحى. ولاحقاً قرّب منه بعض المتنورين ثقافياً مثل هشام شرابي الذي طلب منه البقاء إلى جانبه للتخصص في دراسة الفلسفة المدرحية.. إن نظرتك الواضحة إلى ما وصلت إليه واقتناعك باكتفائك من الدروس الفلسفية وبحاجتك إلى العودة إلى الوطن – إلى مدرستنا الفلسفية الإبداعية، لمعالجة أسسها العقدية وإكمال بناء نفسك في تعاليمها وتثقيف الأفكار بها – إن هذه النظرة تتفق كل الإتفاق مع حديثي الأخير إليك وإلى الرفيق فؤاد نجار في وجوب البناء النفسي الفلسفي في تعاليمنا ومذهبنا الأصيل… أرحب كثيراً برأيك في تقسيم العمل بين اختصاصيين وهو ما كان من جملة قواعد التنظيم الحزبي التي وضعت تشاريعها

         إن عودتك في أواخر هذه السنة تأتي مناسبة لاحتياجات النهضة العظيمة التي تقوم بها. ومع أني كنت أود أن تكمل درس الدكترة من أجل قيمة المركز العلمي والرتبة بالنظر لمفهوم البيئة ونظر المؤسسات التهذيبية، فإني أفضل اكتفاءك من التخصص في العموميات بما وصلت إليه لتنصرف إلى التخصص في فلسفتنا وقيمنا والعمل في ثقافتنا. فمجموعنا القومي الإجتماعي في أشد الحاجة إلى المتخصصين في عقيدته الذين ينصرفون إلى توطيد أسس نهضته وتقوية ثقته بنفسه وبمصيره. وإن وجودك بقربي سيعينني على تصريف أمور كثيرة تزدحم وتتراكم حولي وليسوا كثراً الذين أستطيع تكليفهم النظر في بعضها.

من رسالته إلى هشام شرابي 23/8/1948

 

         كما اهتم بغسان تويني بعد سفره إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته الجامعية. وهذا واضح من الرسائل العديدة والطويلة التي كتبها له خلال فترة زمنية وجيزة… كل ذلك لأنه وجد لديه مؤهلات فكرية، وفي هذا يقول له في رسالته إليه بتاريخ 9/7/1946: .. عملاً بقاعدة التدقيق الشديد في المسائل العقائدية والفكرية مع الرفقاء المؤهلين لتناول شؤون الفكر العليا.. ولأني أحب أن أنّشط فيك هذه الناحية الضرورية للعمل السياسي العالي. وفي رسالة أخرى له بتاريخ 4/8/1946 يقول: وقد رمت سياستي دائماً إلى تقوية الأشخاص المؤهلين وجعل المضطلعين منهم بالأعباء يشعرون أنهم يتمتعون لقاء مسؤولياتهم الكبيرة بصلاحيات واسعة على نسبة كبر المسؤولية… بناء النفوس المؤهلة في العقيدة والنظام. أريد أن أقول أن غرض ملاحظاتي هو غرض تعليمي إصلاحي عملاً بالقاعدة المذكورة، وإني أزيد على ما تقدم أنه لما كان الأمر متعلقاً بمن هو مثلك، ومثل الرفيق فايز صايغ من تلامذة العقيدة القومية الإجتماعية وحملة أفكارها وممثلي روحيتها، فلن أترك التثقيف لألجأ إلى السياسة. بهذه الطريقة بنيت شخصيات أعضاء المجلس الأعلى وإدارة الحزب العليا…

 

         نخلص إلى أن سعادة فيما سبق وأوردناه، هو بمثابة معهد دراسات عليا قائم بذاته، يُعّد الرفقاء المؤهلين في الإدارة العامة للدولة مثل معهد Ena الفرنسي أو معهد Enap الكندي اليوم، وهما معهدان لتخريج القيادات العليا للدولتين المذكورتين.

 

تدرج المسؤوليات

 

         تلك صورة واضحة، عن سعادة الساهر على تثقيف وتنمية وتربية وإعداد الإمكانيات الحزبية لتصبح جديرة بتحمل المسؤوليات الجسام، ولمواجهة الأوضاع المصيرية والمحن الخبيثة التي كانت – وما زالت – تعصف بالأمة في ذلك الزمن العصيب. لذلك اعتبر سعادة أن إنشاء المؤسسات هو أعظم الأعمال، إذ كان ينتقي المخلصين والمؤهلين لتسنم المسؤوليات، لا سيما رأس المؤسسة.

 

         فالمؤسسات وحدها هي الضامن، ووحدها تحمل التعبير الصحيح عن المجتمع. فهي شخصية المجتمع، وبقدر كثرتها وتنظيمها تتضح صورة المجتمع، كما تبرز مواهبه وقدراته. فتظهر ملامح الدولة المنظمة على الأسس والقوانين. لذلك شرّع لعدة دوائر (إدارات) خاصة ضمن عمدة الدفاع، وكالقانون الخامس الخاص بعمدة  المالية على سبيل المثال.

 

         اليوم، ونتيجة للتطورات العلمية والتقنية العالية، وبزوغ فجر الإختصاصات الجديدة في الإتصالات وخلافه.. فقد بات على من يتولى المسؤوليات في الإدارات والمراكز العليا في الدولة أن يحمل اختصاصاً علمياً عالياً. إذ أن تعقد المشاكل الدولية، والصراع على الموارد الأولية، والضغوطات التي تمارسها منظمة التجارة الدولية على سورية وعالمها العربي، وأزمات الإقتصاد العالمي، ومحاولات الدول الكبرى فرض عملاتها كوسيلة وحيدة للتداول، وتبلور نظريات جديدة لا سيما النيوليبرالية.. كل ذلك يجب أخذه في الحسبان عند إجراء أية عملية انتخابية، وإنتقاء المؤهلين علماً وفكراً ونضالاً لتحمل المسؤوليات القومية الكبرى.

 

         وهذا ما أوضحه سعادة في دستوره، والمراسيم الدستورية. وهذا ما لا يُعمل به اليوم، بعد سلسلة التعديلات المخالفة بل والمناقضة لدى حاملي اليافطة من الفريقين، لا سيما المرسوم الدستوري السابع: رتبة الأمانة، الذي هو أساس الديموقراطية التعبيرية والتي ينعتها سعادة بالجديدة في هيكلية نظامه الجديد، وفي غاية حزبه.

 

         نحن حزب غير عادي، ويمر اليوم في ظروف غير عادية، لذلك من الضروري التمسك بكل ما خطّه سعادة في دستوره، نظامه الجديد – خلافاً للتعديلات التي تناولت هذا الدستور  - لتشهد الأمة في ظروف محنتها المتتالية على عظمة هذا النظام، وبالتالي هذا العقل الذي ولَّده، كما ولّد عقيدته، لذلك يمكننا القول: إن هذا النظام وحده كفيل بنقل الأمة من حال التردي والفوضى إلى مراقي العز والتقدم والإزدهار، وأنه من غير المسموح إطلاقاً أن تأتي قيادات دون المستوى – لحزب النهضة – في هكذا ظروف قومية مصيرية تشهد فيها أمتنا مؤامرات جديدة تهدف إلى تمزيقها إلى أثنيات وأعراق وطوائف ومذاهب… وإلى كيانات جديدة أين منها كيانات سايكس – بيكو؟؟

 

         لم تحاول جُلّ القيادات الحزبية المتلاحقة منذ استشهاد سعادة وحتى اليوم، على التشبه به، واتخاذه قدوة ومثالاً ومعلماً وهادياً و.. وإلاّ لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أوضاع داخلية شاذة، وبالتالي غريبة عن سعادة.

 

         ولم نعمد طوال تاريخنا الحزبي لإنشاء معهد للإدارة الحزبية العالية، أو مكتب دراسات وأبحاث للأوضاع القومية العامة!

 

         ولم نضع سلسلة الرتب المطلوبة التي تناولها نص واضح في المادة الخامسة من دستوره: نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف….

 

         وقد أشار الزعيم إلى الرتبة العليا في المرسوم السابع، على أن نستكمل نحن – تلامذته – بقية الرتب.

 

         وحدّد المرسوم السابع الخاص برتبة الأمانة كل ما يتعلق بهذه الرتبة و شروط منحها، والمهام التي يتمتع بها حاملوها و…، ومنها تتضح أهمية هذه الرتبة، ودورها في الحزب، وبالتالي خطورة دور حامليها بشكل عام، مما يدفعنا للقول أن المسؤوليات العليا في الحزب، يجب أن تناط حصراً بأصحاب الرتب (أصحاب الإختصاص العلمي والعملي) أي أصحاب الكفاءات والمؤهلات والمزايا النضالية.

 

وكما أن الفرد منا، لا يمكنه في عالم اليوم، أن يحصل على أية وظيفة لمجرد شخصه، بل عليه أن يكون حامل شهادة اختصاص معين حصل عليها بجده واجتهاده تؤهله للحصول على الوظيفة التي يستحقها، كذلك لا يمكن أن يحصل أي رفيق على رتبة أو وظيفة إلاّ نتيجة إيمانه ونضاله المميز وعمله الدؤوب لمصلحة حزبه ووطنه. وأن يكون زاهداً في العمل القومي، صاحب عقلية ثورية واعدة وخلاّقة، متحلية بالعزة والنزاهة والشرف والطُهر في الأداء، فتمثل أملاً زاهياً وبراقاً يُحيي في نفوس القوميين كل القيم النضالية والإجتماعية السورية المستمدة من تاريخ سورية القومي وتاريخ الحزب البطولي، فتولد فئات أخرى نخبوية تقفز إلى واجهة العمل القومي الإجتماعي في ظروفنا القاتمة اليوم. مما يساهم في صعود نُخب من المجتمع السوري تتلألأ ظلال شخصياتها في أرجاء سورية كما تتلألأ النجوم في السماء فتساعد القوافل التائهة والتي تسير على غير هدى على الوصول إلى طريق السلامة والعزة والمجد لسوريانا.

// النضال قولاً وعملاً //

 

بإمكان القومي الإجتماعي أن يتسلم مسؤولية دنيا في الشأن الإجتماعي أو السياسي، وأن يتدرج في تحمل المسؤوليات، ويعمل تحت كل الظروف السهلة والصعبة حيث يؤهله نجاحه للترشح لوظيفة أعلى، أو رتبة أعلى من التي يحملها. هذا هو منهج تحمل المسؤولية في نظامنا الجديد، حيث المؤهلون للإضطلاع بالمسائل الفكرية والسياسية الشائكة يجب أن يكونوا أصحاب اختصاص عالٍ وحملة شهادات ومناضلين بالقول والفعل. لذلك يتحمل أصحاب الرتب: الوظائف القيادية في المجتمع ومؤسسات الدولة، ويتسلم حاملو رتبة الأمانة الوظائف السياسية في مؤسسات الدولة العليا، لا سيما عضوية المجلس الأعلى وتناط مسؤولية رئاسة الحزب بشخص أمين على مصالح الأمة والدولة.

 

ويحذَّر سعادة في عدة كتابات له من اعتماد سياسة مغايرة فيوصي رئيس المجلس الأعلى في رسالة له بتاريخ 9/7/1938 على اعتمادها بقوله: ملاحظات وتوجيهات: إن ضربات كثيرة حلت بنا من جراء بلوغ غير المؤهلين إلى المراكز العالية في الحزب.. وكان من المصائب ألاّ يعرف رجال بلغوا أعلى مراتب الحزب مسؤولياتهم في هذه المرتبة وواجباتهم.. والبحث عن الأشخاص المخلصين المؤهلين للقيام بالأعمال المركزية والهامة يجب أن يكون سياسة رئيسية. وأنه من الضروري الاعتماد على القوة الحقيقية للحزب التي بها وحدها نجاح الحزب هي قوة السواعد والقلوب والأدمغة.

 

نؤكد على ذلك لإدراكنا أهمية العضوية في هكذا حزب، وأهمية المسؤولية المترتبة على هذه العضوية لإنشاء مؤسسات قادرة على صناعة الرجال، وبالتالي القيادات المميزة والفريدة في عالم النزاعات الكبرى الذي يجتاح سكان الأرض، لا سيما بعد أحادية السيطرة على هذا العالم من قبل دولة ليبرالية متوحشة تدّعي الديموقراطية وتعمل بكل قواها مع قوى أخرى لإرغام شعبنا على التعايش مع دولة عنصرية يستحيل التعايش معها بغير الرضوخ والاذعان رغم كل ما اعترى وجودنا من ضعف ووهن، لذلك فإن القوى الحية فـي شعبنـا – اليوم – ونحن في صلبها، تعمل على كل ساحة أرضنا القومية، وبقواها الذاتية لتسطير صفحات مجيدة من المقاومة الشعبية الباسلة في وجه الدولة اليهودية التي تتماهى مع الدولة الأميركية ومصالحها في منطقتنا، كما أكدها الرئيس الأميركي جورج بوش خلال زيارته إلى فلسطين المحتلة في بدايات كانون الثاني من العام 2008.

 


الحلقة الثانية: السلطات في الدولة القومية الإجتماعية

 

         ارتكز سعادة في بنائه للدولة إلى دستور يعتمد على فصل للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية كأساس لقيام النظام الجديد.

 

سنحاول في الحلقة التالية تقديم شرح مفصل لمرتكزات هذه الدولة:

         … وهذا الترتيب – من الأصول إلى الفروع ومن الأساس إلى الشكل، هو الترتيب الذي يمكن أن يقوم بمؤسسات ويثبتها ويضطلع بمهمات ويحققها. فالتخطيط الترتيبي، النظامي هو امتياز المؤسسات وسر الأهلية للإضطلاع بالأعباء الخطيرة…

 

         إن أعمال المؤسسات وخططها لا تكون ثابتة إلا بقدر ما تكون أساسية. أما الخبط في العمل والإعتماد على ما يعّن في ساعته فمن الأمور الإعتباطية التي لا يمكن أن ينتج عنها قاعدة واضحة تظل منهاجاً لحياة المؤسسة مهما تقلّب عليها من الأشخاص. ويجب أن تلاحظوا جيداً الفرق بين صفة المؤسسة وصفة الفرد وعمل المؤسسة وعمل الفرد. فصفة المؤسسة مستمدة من غرضها وقاعدة عملها. وعملها قائم على التخطيط الأساسي الذي يلازم حياة المؤسسة ويكون قاعدة رئيسية لحياتها.

من رسالته إلى الوكيل العام لمكتب عبر الحدود 29/7/1939

 

1- السلطة التنفيذية

 

         حددت المواد 11 – 12 – 13 من الدستور، الفترة الإنتقالية بعد غياب سعادة الجسدي أو الشهادة – كما حصل فعلاً – على أن يُعمل بها لمرة واحدة فقط.

 

         وفي هذا المجال، يجب عدم الخلط بين سعادة كسلطة زعامة (وجوده) وسعادة كصاحب دعوة (غيابه).

 

         وجاء في المادة 11: أن رئيس المجلس الأعلى يدعو المجلس للإنعقاد خلال 15 يوماً من تاريخ حيلولة أي مانع طبيعي دائم دون ممارسة الزعيم سلطاته لانتخاب خلف له.

         وجدير بالذكر – هنا – أن سعادة كان قد حلّ المجلس الأعلى بعد عودته من مغتربه القسري، واستشهد دون أن يشكل مجلساً آخر.

 

         شاء سعادة أن يضع عبارة مانع طبيعي دائم وسط هذه المادة الإنتقالية، لإدراكه التام أن حياته في خطر، وأنه عرضة للإعتقال أو القتل أو النفي.. فقد صنّف دستوره في كانون الثاني 1937، وكان سبق وأدخل السجن: المرة الأولى من 16/11/1935 حتى 12/5/1936، والمرة الثانية من 26/6/1936 حتى 12/11/1936. وكان سبق أيضاً ووضع مرسوم الطوارئ في تموز 1936. هذه العبارة – إذن – ربما يكون قد وضعها احتياطاً لما قد يحصل له.

 

         لقد وضع سعادة عبارة مانع طبيعي دائم وسط جملة أحداث عاصفة ضده وضد حزبه، أملت عليه وضعها بهذه الصيغة.

 

         بالعودة لنص المادة 11 نرى أن المجلس الأعلى ذا السلطة الإستشارية في عهده كان يجتمع بناء على دعوة منه (المادة العاشرة) يُقدم على إنتخاب خلف للزعيم. والخلف هو الرئيس (المادة 12) أي رأس السلطة التنفيذية.

 

         يتابع هذا الخلف أو الرئيس بعد مفارقة سعادة الحياة أو شهادته، الأوضاع الحزبية والمستجدات الطارئة على كل الصعد لتأمين الممر القانوني الذي وضّحه سعادة في المادة 12: يكون للرئيس المنتخب السلطة التنفيذية فقط. وليزيد الأمور وضوحاً، عاد وأشار في المادة 13 إلى طريقة إنتخاب الرئيس، أي أن هناك طريقة جديدة غير الواردة في المادة 11 لإنتخاب الرئيس، مما يعني أن الرئيس لا يُنتخب من قبل المجلس الأعلى في عهد ما بعد الزعامة. وهذا ما سنعمل على تبيانه لاحقاً.

 

بداية الخروج عن روح الدستور

        

ما جرى، وعند أول تعديل للدستور، فإن أول مجلس أعلى منتخب من قبل الأمناء الذين كان قد عينهم سعادة قبل غيابه لم يتعرض لمسألة طريقة إنتخاب الرئيس وأبقى على الطريقة الواردة في المادة 11، أي أن المجلس الأعلى هو الذي ينتخب الرئيس (؟؟!!).

 

         وهكذا جـاء المرسوم رقم 8 تاريخ 16 تشرين الثاني 1951، مخالفاً للمادتيـن 12 و13 من دستور سعادة .

 

         ولم يدر ببال أول مجلس أعلى أن يعدل المادة الرابعة لجهة مصدر السلطات، فيصبح القوميون الإجتماعيون هم مصدر السلطات ويعبر عنهم الأمناء. وأبقى هذه المادة دون تعديل، وكأن سعادة ما زال حياً يرزق. وذلك وفقاً لما أورده في خطاب له عام 1940: إن التعبير قد يكون بواسطة الفرد أو الجماعة حسبما يتفق أن يوجد.. فالفرد هنا هو الزعيم، والجماعة هم الأمناء الذين يعبرون عن القوميين الإجتماعيين وعن الأمة جمعاء.

 

         لقد كان سعادة – في حياته الحزبية القصيرة – مصدراً للسلطتين التشريعية والتنفيذية والقائد الأعلى للقوات العسكرية (المادة الرابعة – دستور).

 

         وكان المجلس الأعلى – في زمانه أيضاً – مجلساً إستشارياً يعقد جلساته بناء على دعوة منه (المادة العاشرة – دستور). ومجلس العمد (التنفيذي) له رئيس وناموس (المرسوم الأول)، وكان سعادة يحضر جلساته لإتخاذ القرارات التنفيذية الضرورية لسير الحزب وتنمية قدراته ومواجهة الأخطار المحدقة به.

 

         هذا، ما كان يحصل في حياة سعادة. أما بعد استشهاده فإن المواد الإنتقالية الثلاث السالفة الذكر حددت أن رئيس الحزب له السلطة التنفيذية فقط، مما يعني أن الرئيس وحده هو المسؤول عن تنفيذ سياسة الحزب، وأنه يجب أن يكون أميناً وفقاً لما أوردناه آنفاً، ولما ورد في نشوء الأمم من واجب الفصل بين الشأنين الإجتماعي والسياسي وأن قيادة الدولة يجب أن تناط بأصحاب المؤهلات والكفاءات.

 

         نخلص، مما تقدم، أن نظامنا رئاسي. وفي الأنظمة الرئاسية ينتخب الرئيس من قبل الشعب مباشرة. وفي الحزب، يجب أن ينتخب الرئيس من قبل الأمناء بوصفهم المعبرين عن القوميين الإجتماعيين أي عن الشعب. ولا ينتخب الرئيس من قبل المجلس الأعلى.

 

         هكذا هو الأمر في كل الأنظمة السياسية – الرئاسية الطابع – الديموقراطة في العالم المعاصر اليوم. وكل ما دون ذلك هو باطل الأباطيل، ومخالف للدستور وتحديداً لمواده 11، 12، 13 لعهد ما بعد الزعامة. ومخالف لمبدأ الفصل بين السلطات الذي عمل به سعادة: هو مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكان في زمانه مجلس أعلى ومجلس عمد كما سبق الإشارة.

 

// الخلاف.. مع سعادة//

 

         ما حدث بعد إستشهاد سعادة مخالف لما حدده في الدستور، فقد اجتمع الأمناء وانتخبوا أول مجلس أعلى الذي شرَّع المرسوم والأحرى القانون الدستوري عدد 8، وحصر هذا المجلس كل الصلاحيات بيده، وتحول رئيس الحزب إلى مجرد ناطق رسمي باسم الحزب؟؟!! ثم أجريت سلسلة تعديلات لا سيما بعد وقف العمل برتبة الأمانة لدى فريق منذ الخمسينات، وإلغاء الرتبة ثم إعادة العمل بها لدى الفريق الآخر، أيضاً، بشكل مخالف لنص المرسوم السابع الخاص بهذه الرتبة.

 

         لأنه في حال إنتخاب الرئيس من قبل المجلس الأعلى (السلطة التشريعية) يكون نظامنا على شاكلة الأنظمة البرلمانية شبيهاً بالنظام اللبناني! وسعادة كان قد رفضه رفضاً قاطعاً في خطابه المنهاجي عام 1935 لأنه غير قادر على التكييف، وحينها يكون الرئيس تحت ضغط عدد محدود من الأمناء هم أعضاء المجلس الأعلى. أما عندما يُنتخب الرئيس من قبل جسم الأمناء كله، فإن قاعدته الإنتخابية الواسعة تؤهله للحركة أكثر، مما يساعده في إطلاق يده في حال خلافه مع المجلس الأعلى على تحقيق مشروعه السياسي الذي انتخب على أساسه.

 

         بإختصار، إن نظام الحزب رئاسي، والرئيس هو المسؤول الأول في السلطة التنفيذية. وهو يعين معاونيه أي العمد لمساعدته في إدارة الحزب وممارسة السلطة التنفيذية.

 

فقد جاء في المرسوم الأول من الدستور ما يأتي:

-      مادة أولى: .. يعينهم (العمد) الزعيم (بعده الرئيس) لمعاونته في إدارة الحزب وممارسة السلطة التنفيذية.

-      مادة رابعة: صلاحية مجلس العمد.. لتنفيذ سياسة الزعيم (بعده الرئيس) وخططه ومقرراته، والتناقش في مشاريع كل عميد التي تتعلق بالخطط العامة وسياسة الحزب قبل عرضها على الزعيم (بعده الرئيس) وإبداء الرأي في المسائل التنفيذية التي يطلب منه الزعيم (الرئيس) درسها والتناقش في الموازنة العامة وإقرارها مبدئياً ورفعها إلى الزعيم (الرئيس) للمصادقة مباشرة أو بتعديل واتخاذ قرارات إدارية عامة.

-      مادة سادسة: صلاحية العميد، وضع مشاريع عمدته الإدارية والتنفيذية لتأمين تنفيذ سياسة الزعيم (الرئيس) العامة وعرضها على مجلس العمد للمناقشة ثم على الزعيم (الرئيس) للحصول على المصادقة.. والعميد مسؤول عن سياسة عمدته ومسؤوليته تجاه الزعيم (الرئيس) رأساً.

 

         وتنص المادة 12 من القانون المالي (الخامس): على أن مجلس العمد يعرض مشروع الموازنة على الزعيم (الرئيس) بعد إقرارها.

         من المواد الواردة أعلاه، يظهر لنا، أن مجلس العمد ينفذ الخطة السياسية العامة لرئيس الحزب. وأن هذا المجلس مكلف السهر على تأمين سير هذه الخطة من مختلف جوانبها وأنه ليس مكلفاً ابتداع خطط جديدة مطلقاً، وأن مسؤولية كل عميد هي إتجاه الرئيس وحيداً وليس إتجاه أي مسؤول آخر. فالعمد يختارهم الرئيس على مسؤوليته الشخصية ليكونوا بمثابة مساعدين له، في الحقول أو المصالح العامة الرئيسية الواردة في المرسوم الأول، كأي رئيس في نظام رئاسي في العالم المتمدن اليوم.

 

         هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لم يتم طوال تاريخ الحزب إنتخاب رئيس الحزب بناء على خطة عمل واضحة المعالم والأهداف تتناول أوضاع الحزب في كل الكيانات، وأوضاع هذه الأخيرة. وما يتعرض له الوطن من أخطار، والإحتلالات الإستيطانية لأجزاء من وطننا.. أي لم يلتزم الرئيس المرشح بمشروع ما ليُحاسب في حال تسلمه السلطة على حُسن أو سوء تنفيذه.

 

         وهذا يعني فيما يعنيه، أنه لم يجرِ العمل بمضمون المادة 13 الإنتقالية، لا سيما تحديد طريقة إنتخاب الرئيس، والشروط الواجب توافرها في شخصه لكي يتولى هذا المنصب، وأسلوب ترشيحه وإنتخابه وكيفية ممارسته لمهماته.. وما زلنا حتى اليوم، نفتقد لشرح دستوري مفيد لهذه الطريقة!!

 

 

 

قواعد الديمقراطيات العريقة

 

         ذلك أن ما حدث منذ شهادة سعادة مخالف للقواعد العلمية والقانونية التي بُني عليها الدستور. فكما يجري في أرقى وأعرق الديموقراطيات في العالم الحديث. يتم الترشح للإنتخابات الرئاسية من قبل أفراد لديهم خطة وبرامج عمل واضحة. ولنا في الإنتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت منذ فترة وجيزة مثل واضح. والتي انتهت إلى مبارزة حوارية على التلفزيون – أمام كل الشعب الفرنسي – بين المتنافسين الإثنين على الرئاسة: ساركوزي ورويال. فشرح كل منهما برنامجه وخطته القومية الفرنسية وبنتيجتها اقترع الشعب الفرنسي لصالح ساركوزي.

 

         وهكذا الأمر بالنسبة للرئيس الأميركي الحالي جورج بوش. فقد اختاره حزبه نتيجة عدة جولات انتخابية محلية لمواجهة خصمة في الحزب الآخر. وتواجه وإياه في مناظرات تلفزيونية وبنتيجتها أيضاً اقترع الشعب الأميركي لصالحه، وانتخبه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.

         أما في لبناننا العزيز، فإن رئيس الجمهورية يُنتقى من الطائفة المارونية!

         وفي حزب سعادة، هل من طريقة محددة لإنتخاب الرئيس؟ كيف يجري الترشيح؟ وبناء لأية مواصفات ومزايا يتم إنتخاب رئيس الحزب – الدولة القومية؟!

 

         في الواقع، لم يجرِ في تاريخ الحزب وضع أو صياغة طريقة علمية لإنتخاب رئيس الحزب وفقاً لدستور سعادة، وهذا معيب بحق حركة عظيمة مهمتها تغيير وجه التاريخ!!

 

         لقد كان الحزب، طوال تاريخه – بعد استشهاد سعادة – ينتخب رئيسه كما يُنتخب مختار أية ضيعة من جبال لبنان.

 

         إذ لا يُسئل الرئيس عن خطته لفترة رئاسته، ولا هو يعرضها أمام جسم الأمناء. يكفي أن يكون أميناً - كما يكفي أن يكون مارونياً في لبنان – وعلى شاكلة الأمناء الذين تعينهم اليوم لجنة منح رتبة الأمانة، لنعرف المستوى المنحدر الذي نهوي إليه.

 

         لقد آن لنا، أن نلج أبواب مدينة العلم التي أرسى قواعدها سعادة أولاً في كتابه العلمي نشوء الأمم منذ تأسيسه للحزب تأكيداً على أننا حزب بنى كل فكره وعقيدته و.. على العلم، فلماذا نبقى غارقين في غياهب الجهل؟ ولماذا لا نخرج من سراديب الأُمية والارتزاق السياسي إلى اشراقات العلوم والفنون والقيم القومية الإجتماعية.

 

2- السلطة التشريعية

 

         أورد سعادة في المادة العاشرة من دستوره مهام المجلس الأعلى – في حياته – فاذا هي: ابداء الرأي واعطاء المشورة في شؤون الحزب الخطيرة، ولتقرير سياسة أو خطة فاصلة أو حلّ مشكل ذي نتائج خطيرة في حياة الحزب الداخلية، ولتعديل الدستور.

 

استخدام صلاحيات غير دستورية

 

         يُستدل من هذه المادة، إن جُلَّ مهام المجلس الأعلى هي في الميدان التشريعي، وأنه كان يعقد جلساته بناء على دعوة من الزعيم خلال وجوده في الوطن. أما عند سفره، فكان يعقد جلساته بناء لدعوة من رئيسه، لا سيما بعد إضطرار سعادة لمغادرة لبنان سراً عام 1938، فانتقل إلى فلسطين ثم إلى شرقي الأردن فإلى قبرص التي مكث فيها قرابة الشهرين قبيل انتقاله إلى أوروبا.

         واضح من نص المادة أعلاه، إن من مهام المجلس الأعلى، تعديل الدستور، والمعلوم أن عملية التعديل رهن بالمجالس التشريعية (مبدأ سيادة الأمة). لذلك نصت المادة 12 الإنتقالية على صلاحيات غير دستورية لمرة واحدة فقط لأول مجلس أعلى سيتحمل مهمة تعديل الدستور بعد استشهاد سعادة مباشرة، وذلك عبر التشريع للمؤسسات الجديدة لعهد ما بعد الزعامة: تحديد صلاحيات السلطة التنفيذية وكيفية إنتخاب الرئيس، وعملية إنتخاب أعضاء المجلس الأعلى، وتحديد صلاحياته التشريعية فقط، وطريقة انتقاء الأمناء الذين يحق لهم الترشح لعضويته. وهذا ما تخاذل أول مجلس أعلى عن القيام به، وبالتالي هذا ما لم يحصل طوال تاريخ الحزب ، وفقاً لرغبة سعادة. بل إن المرسوم الثامن الذي صدر عن أول مجلس أعلى بتاريخ 16/11/1951، قد أجاز له صلاحيات غير دستورية خلافاً لنص المادة 13 الإنتقالية، واستمر الأمر على هذا المنوال بسلسلة تعديلات مخالفة للمواد الإنتقالية الدستورية الثلاث: 11، 12، 13. وأمعنت الإدارات المتعاقبة في الإبتعاد كلياً عن النصوص الدستورية التي شرعها سعادة في نظامه الجديد!

 

         قلنا، إن التعديلات الأولى في عهد ما بعد الزعامة أتت مخالفة للمادتين 12 و 13 من الدستور ، فلم يحصر أول مجلس أعلى صلاحياته بالتشريع فقط في مخالفة أولى. وعين رئيس حزب بمثابة باش بزق بدون صلاحيات تنفيذية في مخالفة ثانية، أو كصاحب سلطة تنفيذية كما هو وارد في نص المادة 12 الإنتقالية. وحدد كيفية منحه رتبة الأمانة للأعضاء في مخالفة ثالثة، ولم يُشّرع لطريقة انتقاء أعضاء المجلس الأعلى من الأمناء في مخالفة رابعة و… مع العلم أن الزعيم هو مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية (المادة الرابعة – دستور)، وهو أعلى مرجع تنفيذي وتشريعي في الحزب (من رسالته إلى فؤاد وتوفيق بندقي 19/3/1941).

 

         نستدل من ذلك، أن أول مجلس أعلى، اعتبر نفسه قيادة جماعية أو مجلس قيادة تشبهاً بما حصل خلال فترة غياب سعادة القسرية عن الوطن بين عامي 1938 – 1947. وتوكيداً على ذلك، ننقل هذا المقطع لسعادة من رسالته إلى رئيس المجلس الأعلى الأمين فخري معلوف بتاريخ 2/7/1938، وكان أرسلها له من قبرص بعد مغادرته لبنان سراً نتيجة كشفه مؤامرة للقبض عليه، رداً على رسالة الأخير له:

         صلاحيات المجلس الأعلى: أوافق على اجتهاد المجلس في تعيين صلاحياته التطبيقية. أما الإبهام في المرجع التنفيذي الأعلى عندما لا يمكن الإتصال بالزعيم فلا يمكن أن يكون هنالك ما يدعو إليه لأن التنفيذ يكون تنفيذ سياسة وتنفيذ تشريع وهو من صلاحية مجلس وكلاء العمد، ويكون من صلاحية المجلس الأعلى تقرير السياسة وتقرير التشريع واتخاذ التدابير اللازمة لمراقبة التنفيذ والتثبت من صحته عملياً. أما إذا كان القصد من الإبهام في القرارات السياسية والتشريعية فحين تعرض قضايا خطيرة مستعجلة لا تتمكن من انتظار الاتصال بالزعيم، فالمجلس الأعلى يتخذ صلاحية التقرير النهائي ويحمل مسؤولية ذلك. وإني أعطي المجلس الأعلى صلاحية واسعة من هذا القبيل في كل الظروف التي لا يمكن معها انتظار الإتصال بي. وفي كل مقررات المجلس الأعلى يخضع المجلس للإتجاه السياسي – الإداري العام ولتوجيهات الزعيم.

 

يحدد سعادة فيما ورد أعلاه:

1-     صلاحيات المجلس الأعلى التشريعية فقط: تقرير السياسة وتقرير التشريع.

2-     مراقبة التنفيذ ومدى صحته.

3-     احترامه لمبدأ الفصل بين السلطات.

4-     تسليف سعادة المجلس الأعلى بصلاحيات الزعامة في حال انقطاع الاتصال بالزعيم.

 

         وهناك نصوص أخرى مثبتة في مقالات ورسائل سعادة تؤكد على حصر السلطة التشريعية بالمجلس الأعلى فقط.

 

         بموجب الفقرة الأخيرة (رقم 4)، نرى أن سعادة قد أوكل، أو سلّف المجلس الأعلى سلطات الزعامة. وبكل أسف، يمكننا القول أن نعمة ثابت الذي تسّلم رئاسة المجلس الأعلى خلفاً لفخري معلوف الذي سافر إلى الولايات المتحدة لمتابعة تحصيله العلمي، لم يحترم هذه الثقة التي أولاها سعادة للمجلس الأعلى، إذ اعتبر ثابت نفسه بمثابة الزعيم في الوطن، فانحرف عن جادة الصواب وسار في طريق الانحراف والفساد، فلاقى المصير الذي يستحقه ألا وهو الطرد من الحزب بعد عودة الزعيم من المغترب القسري عام 1947.

 

انحراف عن موضوع التعاقد

 

         بعد استشهاد سعادة، أصدر أول مجلس أعلى، أول مرسوم لم يحدد فيه صلاحياته (السلطة التشريعية)؟ مبقياً لنفسه سلطات الزعامة كما كان معمولاً بها خلال فترة الاغتراب القسري للزعيم!! متجاهلاً العودة إلى المواد الانتقالية الثلاث لعهد ما بعد الزعامة. فخان هذا المجلس الأمانة. لا سيما عندما لم يحترم المرتكزات الأساسية للدستور وموضوع التعاقد. ولم يعِ هذا المجلس أيضاً ضرورة تعديل المادة الرابعة من الدستور لجهة مصدر السلطات بعد غياب سعادة، فأبقاها على حالها، وكأنما الزعيم حي يرزق!!

         كما لم يتعرض لتفاصيل إجازته تعديل الدستور، وشروطها، وصياغة آليات لهذا الغرض مثل حق عرض التعديل المقترح على ممثلي الأمة (الأمناء) للاستفتاء مثلاً و..

 

         ولم يعرض لموضوع العلاقة بين السلطات الثلاث إحتراماً لمبدأ فصل السلطات وحدود كل سلطة. كما لم يضع رأساً كل نصوص الدستور بالتداول ومنها نص المحكمة المركزية، فشّرع عام 1955 لقانون محكمة مغاير لنصوص سعادة. كما لم يكلف نفسه عناء المباشرة بتطبيق مفهوم الحزب – الدولة، لذا لم يُشّرع ادارات ودوائر لكل عمدة ولم يضع قانوناً داخلياً خاصاً بكل عمدة، واكتفى باصدار نظام داخلي عام للحزب؟؟ مما يدل على جهل أو قصر نظر في الشأن القانوني أو على قصد إرتكاب إثم الاساءة بحق الحزب والنهضة.

 

         ومن إرتكابات هذا المجلس للآثام أنه لم يشرع للضرائب المركزية الأمر الذي أبقى الحزب تحت طائلة الاستعطاء الدائم من الخارج ففقد استقلاليته وقراره الحر..

 

         ولقد أجريت لاحقاً سلسلة تعديلات بما خص السلطة التشريعية – المجلس الأعلى – وكلها كانت أيضاً مخالفة لنصوص الزعيم الدستورية ولما خطّه في رسائله في هذا الخصوص، لا سيما منها بدعة ما أُطلق عليه تسمية المجلس القومي الذي يجمع إلى الأمناء رفقاء منتخبين من مجالس المنفذ

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مساهمة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج