القواعد الحقوقية للدولة القومية - طاهر غدار
كتبهافادي بشناتي ، في 22 نيسان 2008 الساعة: 14:49 م
القواعد الحقوقية للدولة القومية
طاهـر غـدار
آذار 2008
منذ صاغ سعادة دستور الحزب في 21/11/1934، منذ ذلك التاريخ والقوميون الاجتماعيون يحتفلون بعيد إبرام الدستور الذي اجترحه زعيمالحزب من حياة شعبه وتاريخه التليد معلناً فيه حقوقه القومية .
وهذا العيد، هو مناسبة، من جملة المناسبات القومية الاجتماعية التي يجب أن يفخر بها القوميون الاجتماعيون، كما تفخر أمتهم بهم، وبإنتاجهم الفذ، وبعطاءاتهم التي لا حدود لها لصالح أمتهم العظيمة.
والدستور هو أول عمل قومي في سورية يدّل على عودة الحياة إلى العلم والقانون والفعل الحضاري. كما وحزبنا السوري القومي الاجتماعي، أول مؤسسة ديمقراطية تعبّر عن الإرادة العامة للشعب السوري. وهو بخلاف كل الأحزاب: الحزب- الدولة، بما هي مظهر سياسي حقوقي لمجتمعها، يهتم بقضايا وجودها وحياتها وارتقائها ومصيرها وسط زحمة تنازع الأمم البقاء والتصادم على المصالح القومية.
وفي 20/1/1937، صنّف سعادة دستوره بعدما كان استكمل بناء الجذع كما يقول في رسالته إلى سلمى صائغ عام 1936.
في الحقيقة، أن هاتين المناسبتين عامي 1934 و 1937، هما مناسبتان قوميتان بامتياز. وهما من جملة المناسبات التي يجب أن لا يغفلهما القوميون الاجتماعيون نظراً لمغزاهما العميق في تاريخ أمتنا الحديث.
ويعكس وجود الدستور، وعي الأمة لذاتها، ووعيها لوحدة حياتها ومصيرها وقوتها وشخصيتها الاجتماعية الواحدة. كما يعكس تأسيس الدولة على مبادئ قانونية راسخة: هدفها تنظيم وسير عمل مختلف السلطات في الدولة. كما يعكس أيضاً، ما ينطوي عليه من إقرار بحقوق الإنسان، وعلاقات أفراد المجتمع بأركان الدولة، وتعتبر الفيلسوفة الالمانية المعاصرة آنا ارند في كتابها ما هي السياسة الدستور في هذه الحال شهادة مكتوبة عن علاقات أبناء المجتمع الواحد بعضهم ببعض ذاهبة إلى اعتبار الدستور: الرباط الدائم.
معنى النظام
ونحن أمة العلم، تعتبر العقل شرعاً أعلى، لذلك نلحظ باهتمام واضح في هذا النظام الجديد ارتكازه على العقل والقيم المستمدة من تاريخ سورية الثقافي السياسي القومي، فنلمح فيه أيضاً وأيضاً ذلك التنظيم العقلاني الفريد والبديع في آن.. لذلك يحتل دستورنا مرتبة خاصة في حياتنا القومية بالنظر لاكتنازه ُجملة ً من القواعد الحقوقية والنظامية التي تقنن تنظيم وسير عمل كافة مؤسسات دولتنا القومية العتيدة.
ويرتكز النظام الجديد الذي أرساه سعادة في دستوره، على المبادئ الأساسية (العقيدة) لاسيما المبدأ الأساسي الثامن القائل بمصلحة سورية فوق كل مصلحة، وأساسه العلمي في نشوء الأمم ، إضافة إلى نظرة سعادة الفلسفية إلى الاجتماع والسياسة.
وحول معنى النظام يعيد سعادة في محاضرته الثانية في الندوة الثقافية بتاريخ 18/1/1948، إسماع القوميين الاجتماعيين الخطاب المنهاجي ، هذا الخطاب الاساسي الذي يمكن منه ان نفهم فهماً جلياً معنى الحزب – الدولة ، والذي كان سبق وألقاه في أول اجتماع مركزي في أول حزيران 1935. وكان قد باشر بإلقاء هذه المحاضرات بُعيد عودته إلى الوطن من مغتربه القسري. وكانت قيادة الحزب- آنذاك- قد انحرفت عن جادة الصواب القومي. فأعاد سعادة التذكير بالأسس والمنطلقات العقدية والنظامية القومية الاجتماعية. ويتوقف فيه مراراً عند معنى النظام كقوله : والنظام في عرفنا هو ما قلت وكررت انه لا يعني الترتيبات الشكلية الخارجية، بل هو نظام الفكر والنهج، ثم نظام الاشكال التي تحقق الفكر والنهج.
النظام في عرفنا ليس مجرد تنظيم دوائر وصفوف. النظام شيء عميق جداً في الحياة. ولذلك قلت أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو قوة ستغيّر وجه التاريخ.
هذا الكلام الواضح لسعادة، عن النظام، يلوح لي أنه لم يُفهم الفهم الصحيح بعد أكثر من 70 عاماً على قوله، وبعد أكثر من نصف قرن على أول تعديل دستوري –بعد استشهاد سعادة- عام 1951.
ونردد هذا الكلام اليوم –أيضاً- لأننا على أبواب انتخاب قيادة جديدة للحزب في أيار القادم . يسبقه عادة انعقاد المؤتمر العام. ُتناقش فيه على صعيد الإجمال بعض التعديلات الدستورية، كما اعتدنا أن يحصل في كل مؤتمر. مع الإشارة إلى العلل الكثيرة التي ترافق عادة انعقاد هكذا مؤتمرات لغير أصحاب الاختصاص. وبالتالي نتحمل وِزر النتائج المترتبة عنه.
والحقيقة، أنه منذ أول تعديل، ولغاية تاريخه. لأن الدستور عُدّل مراراً وتكراراً. كما عُقدت لتاريخه سلسلة مؤتمرات ومرّ الحزب بسلسلة نكسات وانقسامات و.. كلها تؤكد على عدم سير الحزب على الطريق القويم الذي رسمه مؤسسه ؟؟ مما يؤكد على حقيقة مُرة لا يمكن نكرانها وهي عدم فهمنا هذا الدستور فهماً صحيحاً. فتعاملنا معه معاملة سيئة. ودليلنا على ذلك كثرة التعديلات المخالفة والمتناقضة مع الأصل. مما يصح القول معه اننا ارتكبنا ما أُصطلح على تسميته بالخرق الدستوري عدة مرات.
من جهة أخرى، لطالما تغاضينا عن المرتكزات الأساسية لنظامنا الجديد. فلم نضعها نصب أعيننا عند التفكير بإجراء أي تعديل ؟؟
كما لم تجهد القيادات منذ استشهاد سعادة، والتي كانت قريبة منه، على وضع الشروحات المفيدة للدستور. لاسيما حول هذه المرتكزات، فحافظت عليه محافظتها على صندوق مغلق.
و نلمح في دستور سعادة، ذلك العقل المؤسساتي، كما نلمح الاشكال الناتجة عن نظام الفكر والنهج وخلاصتها أن هذا النظام هو لهذه العقيدة بمثابة التوأم. وان الاشكال التي تتحقق أمامنا هي نتيجة فكر، فإذا خرجت عنه، أصبحت شكلاً دون محتوى كالطبل الفارغ.
وليس القصد من نظام الحزب تحقيق أغراض سياسية آنية عابرة ، بل الالتزام بقضية تتحقق بواسطة المؤسسات الصادرة عن هذا النظام . وبالتالي، فكل ما يصدر عن الحزب يجب أن يكون ملتزماً بالعقيدة والنظام.
وشأن أساسي آخر، هو ما ورد في مقدمة الدستور حول التعاقد مع سعادة: الشارع، صاحب الدعوة، وواضع أسس النهضة على أن يكون زعيم الحزب- الدولة.
ينتج عن ذلك، أن المؤسسة التشريعية (المجلس الأعلى) ملتزمة بالدستور الأساسي، ويرتبط أعضاؤها بقسم مسؤولية كان سبقه قسم عضوية وكلاهما يؤكدان على خدمة القضية . كما ان سعادة نفسه كان قد أقسم قسم الزعامة- والذي لم يكن ملزماً بتأديته- وفيه يؤكد ارتباطه بخدمة القضية السورية القومية الاجتماعية.
مما يعني، ان هذه المؤسسة ملتزمة بالدستور الأساسي الذي ينظم عمل المؤسسات السياسية، وبالتالي هي معنية باحترام المرتكزات الأساسية للفكر الدستوري القومي الاجتماعي.
أسس الدستور
في دستور سعادة نلمح فكره الدستوري المنبثق عن نظرة فلسفية والمرتكز الى نظرته الواضحة والشاملة الى الاجتماع والسياسة فنرى الأسس التالية:
1- التعاقد مع سعادة.
2- احترام مبدأ الفصل بين السلطات.
3- إنشاء مؤسسات للسياسة وأخرى منفصلة عنها انفصالاً تاماً للاجتماع (عدم تعريض مؤسسات الدولة لعبث الجمهور- نشوء الأمم).
4- قادة الحزب – الدولة يتم اختيارهم من نخبة علمية وفكرية ونضالية.
5- مركزية السلطات في الدولة.
6- استقلالية القضاء وعلنيته.
باختصار، صاغ سعادة دستوراً مبنياً على أساس لا يمكن تبديله لأننا الطرف الثاني في التعاقد، فهذه المبادئ أعلاه هي أساس البناء. وهناك أثاث، يمكن إجراء تعديلات عليه حين تدعو الحاجة.
يمكن تشبيه ذلك بالبناء المتين ذي الأسس الراسخة في الأرض الصلبة، فإذا خضعت للتبديل أو التغيير سقط البناء. لكن يمكننا إجراء التعديلات على الأثاث، أي على داخل الغرف دون التعرض للأساس.
إذن، هناك مبادئ أساسية يجب احترامها عند إجراء أي تعديل دستوري: الالتزام الأمين بقواعد الفكر والنهج.
وهناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها قبل التفكير بإجراء أي تعديل.
متى نعدل؟ أسباب التعديل؟ موجباته؟ ضروراته؟ مراميه؟ ماذا نعدل؟ متى ُنقدم على خطوة التعديل: الظروف والآليات… وأخيراً، من يملك حق التعديل؟ وعلى من نعرضه قبل أخذ القرار الحاسم بالتعديل؟
الحقيقة، ان هذه الأسئلة كلها، تبقى مشروعة، وبالتالي مطروحة على بساط البحث قبل المباشرة بإجراء التعديلات، لاسيما عندما يكون الدستور القومي الاجتماعي هو الذي سيتعرض للتعديل.
والحقيقة الأخرى، ان دستورنا مرن، ويسمح بإجراء تعديلات معقولة عليه، وقد ورد في المادة العاشرة من الدستور الأساسي فقرة تسمح بتعديل الدستور.
فالتعديل، واجب وضروري طالما هناك حاجة ماسة، وطالما يفرز التطور حاجاتاً جديدة يجب أخذها بالحسبان. ومؤلف (نشوء الأمم) دعانا باستمرار لاعتماد العلم في كل أعمالنا على طريق إقامة حياة جديدة لسورية فيها العز والمجد والخير والسعادة.
نقول ذلك، من مجرد النظر الى التعديلات السالفة المكدسة المتفاوتة والمخالفة لبعضها البعض. لدرجة أنه يمكن القول: أن دارس سنة أولى حقوق في الجامعة اللبنانية إذا ما تناولها بالقراءة سينظر باستخفاف شديد إلى هذا الدستور بمختلف التعديلات التي طرأت عليه منذ استشهاد سعادة عام 1949 وحتى اليوم!!
ونقول ذلك، دون تناول العقيدة التي هي صنو النظام، والتي حاول ايضاً العابثون العبث بها، بإدخال بعض الطروحات الجديدة الملقاة على قارعة الطرق! وقد منُوا بفشل ذريع على هذا الصعيد.
لقد مُنَي حزبنا، نتيجة هذه التعديلات الغريبة والمتناقضة بسلسلة كوارث في هذا المنحى، تدل كلها على خلو حزبنا من إمكانيات حقوقية أو قانونية. ونعرف انه برزت في الحزب أسماء لامعة على الصعيد الحقوقي ، ثم انطفأت دون أن تقدم جديداً على هذا الصعيد. كما نعرف انه يوجد مئات المحامين القوميين الاجتماعيين في نقابة المحامين؟! لماذا لا تلتئم مجموعة صغيرة منهم في لجنة مؤقتة أو دائمة للنظر بالتعديلات الدستورية قبل الإقدام عليها!
تمأسُـس الأحزاب
ومن العودة إلى كل ما صدر من جديد على صعيد العلم الإداري، نجد أن إدارات الحزب على اختلافها لم تلم وبالتالي لم تخضع للنهج التقويمي الحديث بحيث أن هذه الإدارات الحزبية لم تلزم نفسها بتحسين مستمر لأعمالها الإدارية والتنظيمية، وبالتالي تحسين مهاراتها وفق نماذج التنظيم والتخطيط والإدارة الحديثة على طريق التجدد المستمر، باعتماد قواعد الشفافية والمساءلة واحترام المعايير المعتمدة وتقييم الفعالية من خلال التثبت الدوري من النتائج (لوضعها مؤخراً على لائحة ISO كأية مؤسسة، ولنرى أية درجة عليا نالتها على هذه اللائحة) . وهذه تندرج ضمن نظام عرف دينامية تطور مرافقة لما حدث من تطورات على صعيد الإدارة الحديثة.
واليوم، تميل الأحزاب في العالم الديمقراطي، إلى مأسـسة ذاتها، باعتمادها على تطوير استراتيجيات خاصة بها لبناء حزب سيّد، له جذوره الديمقراطية، وذي علاقة متينة بالأوساط المجتمعية، يأخذ في الاعتبار التطورات الضرورية التي لا مناص منها لأفضل نموذج حزبي حديث يمكن أن تؤدي إداراته عملاً قويماً يجعله محط أنظار الجميع، كما يفضي إلى قيام حزبنا من كبوته.
ولا يغيب عن بالنا إن إعادة بناء حزب قوي وصارم، تستطيع إدارته أن تعيد وصل ما انقطع بين الحزب ومجتمعه، ليعود حزب الأمة جمعاء، والحزب الأوحد الذي تتطلع إليه الأمة، وأنه المُخلّص الوحيد لها من كل الترسبات الماضوية الغريبة عن تاريخه القومي. فيعيد صوغ هويته الخاصة المنبثقة من عقيدته ونظامه، وبالتالي يؤكد فرادته بين كل أحزاب الوطن السوري.
ولا يغرب عن بالنا مطلقاً، إن دستور سعادة وشروحه في النظام المبثوثة في رسائله إلى القوميين الاجتماعيين، تحوي معيناً هائلاً، بل فيضاً عظيماً في فن الإدارة وعلم الإدارة والسلوك الإداري و… وقد شهد أحد الخبراء العالميين في الإدارة الحديثة منذ عقد من السنين بعدما كنت زودته بآثار سعادة، فأعلن لي عن دهشته بهذا السبق الواضح لسعادة في الشأن الإداري بشكل عام (الخبير يعمل في الأمم المتحدة وهو من الجنوب السوري، شارك في عدة ندوات دراسية في الجامعة الأميركية في بيروت حول الإدارة الحديثة).
ونلقي الآن، نظرة سريعة على التعديلات التي جرت منذ العام 1951 وما تلاها. فنجد أمامنا كـماً هائلاً من المخالفات طالت لقواعد الأساسية التي أرسى سعادة فكره الدستوري عليها (ودستوره). كما نجد كماً هائلاً من التناقضات بين مواد كل قانون؟ مما يجعلنا نوقن، ان هذه التعديلات لم توضع بعناية، أو بدراسة متأنية من قبل أصحاب اختصاص!
وما هو ملفت للنظر من ناحية أخرى، قلة المقالات والدراسات في الشأن الدستوري أو النظامي، وقلة الشروحات في مختلف حقول الدستور والنظام والقانون الدستوري والقضاء و……..
وأشير هنا، إلى أن هذه التعديلات المخالفة والمتناقضة ُتسيء لصاحبها، وُتسيء للعاملين بموجبها، كما ُتسيء لحزب الأمة. وأخيراً، وأساساً ُتسيء لصاحب الدستور – سعادة - في مخالفتنا لإرثه ولكل فكره الدستوري كما لعقيدته.
في كل مؤتمر يُعقد، يوضع الدستور على المشرحة، وكأنما العلة فيه. والحقيقة الواضحة والظاهرة للعيان، من كل هذه التعديلات المخالفة والمناقضة، تبرز أن العلة هي فينا نحن؟
مع العلم، ان جل المشاركين في المؤتمرات القومية، هم من غير أصحاب الاختصاص لاسيما على الصعيد الدستوري. ورغم ذلك ُنقدم على إجراء التعديل دون خوف أو وجل؟
ما الأسباب؟
مفهوم التعاقد
فيما يلي عرض لأهم المخالفات للمرتكزات الأساسية البارزة بشكل واضح، وتظهر للعيان من خلال مطالعة كتيب الدستور ومجموعة القوانين المعمول به حالياً ( آخر تعديل عام 2001 ) .
1- ورد في مقدمة الدستور، ان الحزب تأسس بموجب تعاقد.. بين طرفين، الزعيم من جهة، والمقبلين على الدعوة (القوميين الاجتماعيين) من جهة ثانية.
وقد ُأجري تعديل على قسم العضوية، ألغي التعاقد بموجبه مع الزعيم مما يؤكد على أننا صرنا في حزب آخر!!
ان مفهوم التعاقد في حزبنا، يختلف اختلافاً جذرياً عن معنى العقود بين الأشخاص أو الشركات.. ان التعاقد يستمر بعد غياب سعادة، صاحب الدعوة، المشرع، والمؤسس للنهضة، وهو الزعيم في الحزب، ويبقى كذلك إلى أن يأتي سعادة آخر ويضع عقيدة جديدة ونظام جديد آخرين… والتعديل الذي ُأجريَ على
القسم بحيث يقسم العضو المقبل على الحزب على تأييد المؤسسات بدلاً من القسم على تأييد الزعيم وسلطته وهذا مخالف لموجب التعاقد.
ولطالما ذكرنا سعادة بالتعاقد معه: ليس بيني وبين القوميين الاجتماعيين عقد تجاري وقوله: تعاقدنا على أمر خطير يساوي وجودنا كما يذكر القوميين الاجتماعيين بموضوع التعاقد معه في أكثر من رسالة وخطبة.
في الحقيقة، ان سعادة هو الذي أنشأ المؤسسات لصيانة الحزب- القضية من بعده. فهي بهذا المعنى تكون بمثابة المؤتمنة على الإرث وعبارة عن شاهد أو قيم على التعاقد بعد استشهاده لا أكثر ولا أقل. ولا يمكن مطلقاً أن تحل محله، هو المؤسس ومصدر السلطات و.. وما يأتي بعده سلطات تمارس عملها وفقاً للمهام الموكلة إليها في الدستور، وواجبها حماية القضية القومية المقدسة.
وقسم المسؤولية أيضاً استبدلت فيه كلمة الزعيم : بالمراجع العليا طبقاً لما فعلوا في قسم العضوية، تحت ذريعة أن سعادة قد قضى وانه يحل محله في غيابه المراجع العليا.
وإذا كان القوميون الاجتماعيون هم مصدر السلطات كما ورد في المادة 4 من الدستور المُعدّل . فلماذا لا ُتستبدل المراجع العليا بالقوميين الاجتماعيين. فنكون هكذا أمناء على النص ؟ !!
وطالما ان المراجع العليا تخبط خبط عشواء في الدستور والقوانين النافذة فلماذا لا يعترض القوميون الاجتماعيون كونهم مصدر السلطات على هذا الانحراف . وهل هم في غياب قسري كما كان سعادة خلال الفترة 1938-1947 وكان قد سّلف صلاحياته إلى المجلس الأعلى الذي عاث فساداً في الحزب بقيادة رئيسه آنذاك الخائن نعمة تابت؟!
لماذا لا يطالب القوميون الاجتماعيون باستعادة صلاحياتهم الممنوحة لهم بموجب الدستور والقوانين النافذة لتتوقف مهزلة كل التعديلات السالفة الذكر المخالفة والمناقضة لدستور سعادة الأصلي والأصيل؟
وسبق وقلت، ان هذه المراجع العليا من ضمن واجباتها صيانة الحزب من الانحراف العقدي والنظامي، كونها قيم وشاهد ولا يحق لها العبث به كما هو حاصل، لتصبح شاهد زور على كل هذه التعديلات.
باختصار لا يمكن مطلقاً استبدال كلمة الزعيم سواء في قسم العضوية أو المسؤولية بالمراجع العليا. كون الزعيم قد غاب أو ولى. فالزعيم كما أسلفت وكما هو وارد في مقدمة الدستور التي هي الأساس الفلسفي للدستور ولها القوة القانونية نفسها التي للدستور: الكتلة الدستورية هو المشرع وواضع أسس النهضة وصاحب الدعوة. فهل أضحت المراجع العليا هي المشرع وواضع أسس النهضة وصاحب الدعوة ؟! سؤال نتركه للقوميين الاجتماعيين مصدر السلطات في الدستور المعدل الأخير، للإجابة عليه. فهل هم فاعلون؟!!
2- عدم احترام مبدأ فصل السلطات الذي شرحه سعادة في جملة رسائل إلى القوميين الاجتماعيين، ونلمحه بشكل واضح في الدستور: هو مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية وليس كل السلطات. أو مجمع سلطات. والمرسوم الأول: مؤسسة العمد ومجلسهم ، مهمته: ممارسة السلطة التنفيذية.. وفي المواد الانتقالية من الدستور الأساسي 11 و 12و 13، يرى كل دارس وصاحب بصيرة أن سعادة يحترم مبدأ فصل السلطات بقوله في المادة12: يكون للرئيس المنتخب السلطة التنفيذية فقط وتُحصر السلطة التشريعية … بالمجلس الأعلى!!
3- قسم سعادة المؤسسات في دستوره إلى قسمين، مؤسسات تهتم بالشأن السياسي، وأخرى تهتم بالشأن الاجتماعي للأمة والوطن. وهذا واضح في دستوره، وفي كتابه العلمينشوء الأمم ففي الفصل السادس: نشوء الدولة وتطورها، يورد ما يلي: ان العقل السوري العملي لم يكن يميل إلى تخيلات فاسدة من الوجهة العملية. ولذلك فهو قد اكتفى من التجربة الاغريقية للحكم الشعبي، بواسطة الشعب أجمع بالمشاهدة. أنه لخيال بديع، في نظر غيري، وخيال سخيف في رأيي أن يكون كل فرد من أفراد المدينة المعترف بهم شريكاً فعلياً في إدارة الدولة. ان المدينة السورية ظلت محافظة على الفرق بين السياسة والاجتماع واضحاً.وهذا الفرق هو ما مكّن الدولة من إطراد تقدمها.
ويقول في مقطع آخر: ان محاولة الجمهورية الاغريقية ألغت الدولة أو كادت تلغيها. وان الأسلوب السوري الذي ارتقى في قرطاجة إلى الديمقراطية ووضوح الحقوق المدنية والحقوق الشخصية، مع بقاء الدولة شيئاً متميزاً عن الشعب، مؤسسة لا يمكن أن تعرض لعبث الجمهور.
دور المؤسـسات
المؤسسات السياسية، تهتم بمحاور العمل القومي المصيري، بالشؤون العليا للدولة مثل: المجلس الأعلى، رئاسة الحزب، المكتب السياسي، مجلس العمد، القضاء. والمؤسسات الاجتماعية، هي التي تهتم بالبناء الاجتماعي والشعبي: المنفذيات، المديريات، مجالس المنفذيات ولجان المديريات. وان كل مؤسسة من المؤسسات أعلاه تتمتع بصلاحيات محددة، ولها مهام واضحة في دستور الحزب. وانه يمنع منعاً باتاً دمج أية مؤسسة سياسية بأخرى اجتماعية بناء على ما أوردناه آنفاً لاسيما ما ورد في الدستور ونشوء الأمم. وان ما أُصطلح على تسميته بالمجلس القومي أو الاستشاري، مخالف لجوهر كلام سعادة العلمي، ومناقض بالتالي للفكر الدستوري القومي الاجتماعي.
4- اختيار قادة الحزب من بين الأمناء (المرسوم السابع): أعضاء المجلس الأعلى، رئاسة الحزب، القضاء. وهذا واضح من تشريع سعادة، لاسيما فيما أوردناه آنفاً من نشوء الأمم وما أورده في خطابــــه في حزيران عام 1940 في سانتياغو: سورية القومية تضع امام العالم اليوم فكرة التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من فكرة تمثيل الإرادة العامة التي لم تعد تصلح للأعمال الاساسية لحياة جديدة .
- نصت المادة 4 من الدستور المعدل على ما يلي: القوميون الاجتماعيون هم مصدر السلطات ويمارسونها وفق أحكام الدستور والقوانين النافذة.
كان الأجدر القول، أن القوميين الاجتماعيين هم مصدر السلطات ويعّبر عنهم الأمناء. لأن الحزب يعتمد الديمقراطية التعبيرية. والنص الوارد في الدستور المعمول به، يتناقض مع كلام سعادة السالف الذكر في نشوء الأمم وفي خطابه في سانتياغو في حزيران عام 1940.
- والفقرة 8 من المادة 13 (ص5) ورد فيها ضرورة عرض التعديلات الدستورية قبل إقرارها من قبل المجلس الأعلى على المجلس القومي وموافقته.
والحقيقة، ان الدستور شأن قانوني بامتياز. ولا يمكن أن يُلّم به إلا أصحاب الاختصاص القانوني العالي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يمكن لأي كان أن يتعاطى بالشأن الحقوقي، مثل الرفقاء المنتخبين لعضوية المجلس القومي(البدعة). فهؤلاء يُمنع عليهم التدخل بالشأن السياسي العام للدولة وفقاً للفقرات أعلاه ولاسيما ما أوردناه من نشوء الأمم.
- والمواد 18-19-20 من القانون 7 الخاص بحق الترشح لنيل رتبة الأمانة. فقد أعطت المادة الأولى الحق لكل عضو في الحزب حق ترشيح نفسه أو سواه لحمل رتبة الأمانة، وكأنما هذه الرتبة هي مجرد رتبة شرف أو ما شابه.
الرتبة: مسؤولية ، وشهادة لا يحملها سوى المؤهلين وأصحاب الكفاءات والقدرات الموصوفة والاختصاص العالي.
ويعرض جيرار كورنو في معجمه للمصطلحات القانونية عن الرتبة فيقول أنها بشكل عام لقب يعين مكان حائزِهِ في تراتبية ما. تعبير يستخدم بشكل رئيسي في نوعين من الأحكام:
أ- في قانون الوظيفة العامة حيث الرتبة المتميزة عن الوظيفة، تتحدد كلقب ينيط بالمستفيدين منه اشغال إحدى الوظائف المخصصة لهم (والفرق الموجود بين الوظيفة المدنية والعسكرية حيث تتمتع الرتبة بقيمة وحماية خاصة).
ب- تدل في القانون الجامعي على أحد الألقاب العلمية( شهادة إنهاء الدروس الثانوية، البكالوريا، الإجازة، الكفاءة، الدكتوراة) التي تمنحها الدولة التي احتفظت لنفسها باحتكار منحها.
أما الرتبة عند سعادة، فهي شهادة عليا لا يحصل عليها كائناً من كان إلاّ إذا تدرّج في تحمل المسؤوليات الجسام والمهام العليا في الظروف الصعبة، وقام بأفعال وخدمات جلى لبلاده، فاستحق هذه الشهادة أو الرتبة. وعلى أن يكون قد مـرّ على انتمائه فترة زمنية طويلة، وخاض غمار الأعمال البطولية وقدّم تضحيات جمة، فنال بالتدريج شهادة تلو أخرى، ليحصل على أعلاها وأجلّها وأعظمها وهي رتبة الأمانة.
أما أن يرشح رفيق رفيقاً آخر لهذه الرتبة العليا دون مروره برتب دنيا، ودون معرفة هذا الرفيق رفيقه الآخر بكل الأعمال والبطولات والدراسات والأبحاث التي قام بإنجازها سواء في الندوة الثقافية أو في الجامعات العليا او تقديم خدمة عظيمة لبلاده بأية طريقة من الطرق فهذا مما لا شأن له به إطلاقاً. لأنه ليس على اطلاع تام وشامل بكل أعمال الرفقاء . فعلى كل رفيق أن يقوم بواجباته ضمن حقل عمله، وضمن اختصاصه، وضمن متحده الاجتماعي. أما شأن الرتب، وترشيح الرفقاء المؤهلين لها، فهذا شأن المجالس العليا ذات الاهتمام بالمصالح العليا للدولة القومية.
انتقـاء الأمنـاء
- حددت المادة 2 من القانون 9 طريقة انتخاب أعضاء المجلس الأعلى من قبل المجلس القومي. وسبق القول، انه من غير المسموح به إطلاقاً تدّخل أعضاء ليسوا أمناء بانتخاب أمناء لعضوية المجلس الأعلى وفقاً لما ذكرناه آنفاً من ضرورة الفصل بين المؤسسات السياسية والاجتماعية، ولما أوردناه من كتاب نشوء الأمم.
كما أن هذا النص، يناقض ما أورده سعادة في المادة 13 من دستوره عام 1937 حول عملية انتقاء أعضاء المجلس الأعلى من بين الأمناء. وان الأمناء هم فقط من يقوم بعملية الانتقاء بواسطة لجنة مختارة، وبالتالي يجري انتخاب عدد من الامناء المنتقين لعضوية المجلس الاعلى .
5- مركزية نظامنا: وهذا واضح من نص المادة الخامسة من الدستور نظام الحزب مركزي تسلسلي… ومن بعض الشروحات في رسائل سعادة المنشورة ، لاسيما رسالته إلى مفوض فلسطين الرفيق يوسف صايغ بتاريخ 10/9/1947 التي يوضح فيها الخلل الذي افتعلته القيادة الحزبية خلال غيابه القسري والذي نرىملامحه الجديدة حالياً عبر ما هو قائم من انشاء مكاتب سياسية في كل كيان سوري : ان نظري في الترتيبات الحزبية الإدارية التي نشأت في غيابي أوضح لي عدم صلاح الكثير منها للقيام بالأعباء الإدارية والسياسية على الوجه الأكمل وعلى الخطط الإدارية والسياسية الأساسية المقرر من قبل السير عليها. لذلك رأيت إلغاء الكثير من الترتيبات المذكورة تمهيداً لإعداد ترتيبات أخرى تكون أكثر انطباقاً على نظام الحزب وخططه ووحدة إدارته المركزية . ولا بد أنكم قرأتم في عدد نشرة عمدة الإذاعة خبر صدور المراسيم المختصة بإبطال المستحدثات الإدارية والسياسية الشاذة التي وضعت موضع التنفيذ أثناء غيابي.
في جملة الترتيبات الملغاة ترتيب المفوضيات لمختلف المناطق ومن هذه المفوضيات المفوضية لفلسطين المسندة إليكم، وستتبلغون إذا لم تكونوا قد تبلغتم حتى الآن، الأحكام التي تشتمل على إلغاء مفوضية فلسطين. إني كما قلت قد اتخذت هذا التدبير تمهيداً لإحداث ترتيبات أوفى بالغرض، وأود كثيراً لو أمكنكم مع بعض العاملين الإداريين والسياسيين في فلسطين القدوم إلى المركز للمباحثة معكم في صدد الترتيبات والتعيينات التي ستتقرر لهذه المنطقة. وعلى سبيل المعلومات أخبركم أن الإدارة ستعود إلى مركزيتها التامة وما سيرتب إلى كل منطقة بالنسبة إلى أحوالها ووضعها السياسي يكون مختصاً بالناحية السياسية فقط، ويجب أن يبقى ضمن الأعمال السياسية، فيكون لكل منطقة شعبة سياسية ذات واجبات معينة تهتم بالوضع السياسي والحركات السياسية في المنطقة، ويكون مرجعها المكتب السياسي المركزي.
6- استقلالية القضاء وعلنيته: سبق ووضعت مقالة طويلة في هذا الخصوص نشرت في الديار يومي: 22 و 23 . 7 . 2007
كما وضعت دراسة أخرى في سلطات الحزب ومن بينها القضاء بتاريخ أول آذار 2008.
كان سعادة قد صاغ مرسوماً عام 1949 للمحكمة المركزية، لم يجرِ تعميمه لتاريخه وبالتالي لم يُعمل به؟
في هذا المرسوم، نلحظ العدالة بأبهى صورها، حيث المساواة بين المواطن والرفيق والأمين والمسؤول.. دون تفرقة أو تمييز.. ولم يعطِ سعادة نفسه –الزعيم- حق التدخل في مقررات المحكمة، فكانت كل مقرراتها مبرمة بمجرد صدورها عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مساهمة | السمات:مساهمة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























