الأضراس المسوسة - جبران خليل جبران

كتبهافادي بشناتي ، في 6 شباط 2008 الساعة: 21:41 م

الأضراس المسوسة

 



 

كان في فمي ضرس مسوس , وكان يحتال على تعذيبي فيسكن متربصا ساعات النهار ويستيقظ مضطربا في هدوء الليل عندما يكون أطباء الأسنان نائمين و الصيدلية مقفلة.
ففي يوم و قد نفذ صبري ذهبت إلى أحد الأطباء وقلت له:ألا فانزعه ضرسا خبيثا يحرمني لذة الرقاد و يحول سكينة ليالي إلى الأنين و الضجيج.
فهز الطبيب رأسه قائلا : من الغباوة أن نستأصل الضرس إذا كان بإمكاننا تطبيبه.
ثم أخذ يحفر جوانب الضرس وينظف زواياه ويتفنن بتطهيره من العلة .

ولما وثق بأنه صار خاليا من السوس حشا ثقوبه بالذهب الخالص ثم قال مفاخرا: لقد أصبح ضرسك العليل أشد وأصلب من أضراسك الصحيحة.

فصدقت كلامه و ملأت حفنته بالدنانير وذهبت فرحا .
ولكن لم يمر الأسبوع حتى عاد الضرس المشؤوم إلى تعذيبي وإبدال أنغام روحي بحشرجة الاحتضار و عويل الهاوية .
فذهبت إلى طبيب آخر و قلت بصوت يعانقه الحزم: ألا فاخلعه ضرسا مذهبا شريرا, ولا تعترض "فمن يأكل العصي لا كمن يعدها " .
فنزع الطبيب الضرس وكانت ساعة هائلة بأوجاعها ولكنها كانت ساعة مباركة .
وقد قال لي الطبيب بعد أن استأصل الضرس و تفحصه جيدا: لقد فعلت حسنا, فالعلة قد تحكمت بأصول ضرسك هذا حتى لم يبقى رجاء في شفائه.
وقد نمت في تلك الليلة, ولم أزل في راحة والحمد للخلع و الاستئصال.
في فم الجامعة البشرية أضراس مسوسة وقد نخرتها العلة حتى بلغت عظم الفك , غير أن الجامعة البشرية لا تستأصلها لترتاح من أوجاعها بل تكتفي بتمريضها و تنظيف خارجها و ملء ثقوبها بالذهب اللماع.

و ما أكثر الأطباء الذين يداوون أضراس الإنسانية بالطلاء الجميل والمواد البراقة.

و ما أكثر المرضى الذين يستسلمون إلى مشيئة أولئك الأطباء المصلحين فيتوجعون و يسقمون ثم يموتون بعلتهم مخدوعين.
غير أن الأمة التي تعتل ثم تموت لا تبعث ثانية لتظهر للملأ أسباب الأمراض المعنوية و ماهية الأدواء الاجتماعية التي تؤول بالأمم إلى الانقراض و العدم.
و في فم الأمة السورية أضراس بالية سوداء قذرة ضعيفة, ذات رائحة كريهة و قد حاول أطباؤنا تطهيرها و حشوها بالميناء و إلباس خارجها رقوق الذهب ولكنها لا تشفى ولن تشفى بغير الاستئصال .

و الأمة التي تكون أضراسها معتلة تكون معدتها ضعيفة, و كم أمة ذهبت شهيدة عسر الهضم.
و من شاء أن يرى أضراس سوريا المسوسة فليذهب إلى المدرسة حيث يستظهر رجال الغد ما قاله الأخفش نقلا عن سيبويه و سيبويه عن سائق الأظعان .
أو فليذهب إلى المحكمة حيث يتلاعب الذكاء البهلواني بالقضايا الشرعية مثلما تلعب القطة بصيدتها .
أو فليذهب إلى منازل المثرين حيث التصنع والكذب و الرياء.
أو فليذهب إلى بيوت الفقراء حيث الخوف و الجبانة و الجهالة.
و بعد ذلك فليذهب إلى أطباء الأسنان ذوي الأصابع الناعمة و الآلات الدقيقة و المساحيق المخدرة الذين يصرفون الأيام بملء ثقوب الأضراس المسوسة و تطهير زواياها المعتلة , و إذا أراد محادثتهم و الانتفاع بمواهبهم فهم هم النبهاء الفصحاء البلغاء الذين يؤلفون الجمعيات و يعقدون المؤتمرات و يخطبون في النوادي و الساحات, ففي حديثهم نغمة أسمى من أناشيد حجر الرحى و أنبل من أغاني الضفادع في ليالي (تموز) يوليو.
و لكن إذا قال لهم : إن الأمة السورية تقضم قوت الحياة بأضراس مسوسة و إن كل لقمة تلوكها تمتزج بلعاب مسمم و انه قد نتج عن ذلك مرض في أمعائها ,إذا قال هذا يجيبونه بقولهم : نعم نحن الآن منصرفون إلى درس أحدث المساحيق و أجد المخدرات .
و إذا قال لهم : ما قولكم في الاستئصال ؟ يضحكون منه لأنه لم يدرس طب الأسنان الشريف.
و إذا أعاد السؤال ثانية يبتعدون عنه متضجرين قائلين في نفوسهم : ما أكثرالخياليّين في هذا العالم و ما أوهى أحلامهم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ادب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج